وبعد أن نفى الله حدوث الصلب، وأكد وقوع التشبيه قال عز وجل: {بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما} [النساء: 158] .
فجاء ذكر الرفع مجملًا إثباتًا لتمام قدرة الله «العزيز» على إنجاء عيسى، وحكمته «الحكيم» من رفعه إلى السماء، بينما ذُكر الرفع مفصَّلًا في قول الله تعالى: {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} [آل عمران: 55] .
حيث جاء على ثلاث مراحل:
الأولى: {متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا}
والثانية: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}
والثالثة: {إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون}
والعلاقة المنهجية بين هذه المراحل هي ترتيب كل مرحلة على التي قبلها ..
فتمام المرحلة الثانية؛ أي: وصول الذين اتبعوا المسيح «على الحق» إلى قمة علوِّهم فوق الذين كفروا بنزوله، وتأييده لهم- لا يكون إلا بتمام المرحلة الأولى؛ أي: برفعه وتطهيره من الذين كفروا ..
وكذلك المرحلة الثالثة -وهي قيام القيامة ووقوف الخلق أمام الله للحساب- لن تكون إلا بتمام نزول المسيح وقتله الدجال .. لأنه من أشراط الساعة ..
والآن نناقش حكمة الرفع من خلال:
«المرحلة الأولى» : {إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا}
مُتَوَفِّيك: التوفية .. انقضاء الأجل في الدنيا.
وأصل كلمة الوفاة هو: التمام والكمال، قال تعالى: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} [البقرة: 40] ، {يوفون بالنذر} [الإنسان: 7] ، {وإبراهيم الذي وفى} [النجم: 37] .