وكما كانت البقية التي تمسكت بدين المسيح المنزل من عند الله هي أكبر مصادر المعرفة الصحيحة بأصل هذا، الدين الذي تقاس عليه مهمة تصحيح التحريف ..
وقد كان هناك مصدر يوازيه ولا يقل عنه في أهميته، وهو التجارب الشخصية لعلماء اليهود والنصارى الذين هداهم الله للإسلام؛ لأن هذه التجارب تتضمن كشف أصول الدين قبل تحريفه كما يعرفها هؤلاء العلماء، وزاوية الانحراف الذي أصاب هذه الأصول، حتى بلغت هذه المرحلة التحريفية التي تبدل فيها الدين الصحيح ..
كما تتضمن معرفة أهم عناصر النفور من التحريف النصراني، وأهم دوافع الاتجاه إلى الإسلام ..
وقد كانت خبرة هؤلاء العلماء نابعة من مواجهتهم للأساليب الماكرة في التحريف والجدل والتضليل، وليست مجرد حصيلة معرفية بالنصوص.
ولعل إسلام عبد الله بن سلام مثالٌ على هذا المعنى المقصود، حيث جاء اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما تجدون في التوراة في شأن الزنا؟ ) )فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم .. فأتوا بالتوراة فنشروها، فجعل أحدهم يده على آية الرجم ثم جعل يقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك .. فرفعها فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد! فيها آية الرجم! فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، قال عبد الله بن عمر: فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة.
ومن هنا أصبحت تجارب هؤلاء العلماء داخلة في إطار المنهج الفكري لتصحيح التحريف.
وهذا ما فعله الإمام ابن تيمية فقال: (ومن أخبرِ الناس بمقالاتهم مَن كان من علمائهم وأسلم على بصيرة بعد الخبرة بكتبهم ومقالاتهم، كالحسن بن أيوب الذي كتب رسالة إلى أخيه علي بن أيوب يذكر فيها سبب إسلامه، ويذكر الأدلة على بطلان دين النصارى وصحة دين الإسلام.