فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 656

وإذا كان من المعلوم أن أكثر المسلمين -بل أكثر المنتسبين منهم إلى العلم- لا يقومون بترجمة القرآن وتفسيره وبيانه، فلأن يعجز غيرهم عن ترجمة ما عنده وبيانه أولى بذلك؛ لأن عقل المسلمين أكمل، وكتابهم أقوم قيلًا، وأحسن حديثًا، ولغتهم أوسع، لا سيما إذا كانت تلك المعاني غير محققة، بل فيها باطلٌ كثير؛ فإن ترجمة المعاني الباطلة وتصويرها صعبٌ؛ لأنه ليس لها نظير من الحق من كل وجه).

والحقيقة: أن كلام ابن تيمية في هذا الأمر في غاية الأهمية لأن الترجمة الخاطئة للنصوص عند النصارى كانت هي السبب الأساسي لما بلغوه من التحريف، ويكشف ذلك كل الاتجاهات المتخصصة في الوصول إلى أصل اللغة التي كتبت بها كتاباتهم قبل التحريف ..

ولما كان السبب الأساسي في التحريف من ناحية اللغة هو الفصل بين أصحاب العقيدة ولغتهم التي اعتنقوا بها هذه العقيدة- فإن القرآن جاء مؤكدًا للارتباط بين العقيدة ولغة أصحابها، وجاءت الآيات الدالة على ذلك، ومنها هذان المثالان:

المثال الأول: يقول الله عز وجل: {أفمن هذا الحديث تعجبون* وتضحكون ولا تبكون* وأنتم سامدون} [النجم: 61] وفي معنى سامدون يقول ابن عباس: (هو الغناء بالحِمْيَرِيَّة، اسمُدي لنا؛ أي: غَنِّي لنا) .

ولكن لماذا بلغة قبيلة «حمير» ؟! فتكون الإجابة العجيبة هي أن تلك القبيلة هي التي عبدت الشعرى من قبائل العرب، فتناسب اللفظ من حيث مدلول الكلمة أو أصل معناها مع سياق السورة الذي قال الله فيه: {وأنه هو رب الشعرى} [النجم: 49] .

كما أن الكلمة لغة مرتبطة بمحور السورة -الذي هو إبليس- حيث جاء في لسان العرب: (سامدون: يبرطمون برطمة السحرة) ، وسامدون من السُّمُود، وهو ما في المرء من الإعجاب بالنفس، يقال سمد البعير: إذا رفع رأسه في سيره، مُثِّل به حال المتكبر المعرض عن النصح، المعجب بما هو فيه بحال البعير في نشاطه).

وبذلك تكتمل كل علاقات اللفظ بمعاني السورة:

-حيث تضمن اللفظ علاقة الغناء وهو صوت الشيطان ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت