فهرس الكتاب

الصفحة 309 من 656

والمكاتبة بخطِّهم والمخاطبة بلغتهم من جنس واحد، وإن كانا قد يجتمعان وقد ينفرد أحدهما عن الآخر، مثل كتابة اللفظ العربي بالخط العبري وغيره من خطوط الأعاجم، وكتابة اللفظ العجمي بالخط العربي، وقيل: يكتفي بذلك؛ ولهذا قال سبحانه: {كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} [آل عمران: 93] ، فأمرنا أن نطلب منهم إحضار التوراة وتلاوتها، إن كانوا صادقين في نقل ما يخالف ذلك، فإنهم كانوا: {يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب} [آل عمران: 78] ، و {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله} [البقرة: 79] ، ويكذبون في كلامهم وكتابهم؛ فلهذا لا تقبل الترجمة إلا من ثقة).

ثم يتابع رحمه الله توضيح الفرق بين الترجمة والتفسير فيقول:

(الترجمة والتفسير ثلاث طبقات:

أحدها: ترجمة مجرد اللفظ، مثل نقل اللفظ بلفظ مرادف، ففي هذه الترجمة تريد أن تعرف أن الذي يعني بهذا اللفظ عند هؤلاء هو بعينه الذي يعنى باللفظ عند هؤلاء، فهذا علمٌ نافع؛ إذ كثيرٌ من الناس يقيد المعنى باللفظ، فلا يجرده عن اللفظين جميعًا.

والثاني: ترجمة المعنى وبيانه، بأن يصور المعنى للمخاطب، فتصوير المعنى له وتفهيمه إياه قدرٌ زائد على ترجمة اللفظ، كما يشرح للعربي كتابًا عربيًّا قد سمع ألفاظه العربية، لكنه لم يتصور معانيه ولا فهمها، وتصوير المعنى يكون بذكر عينه أو نظيره؛ إذ هو تركيب صفات من مفردات يفهمها المخاطب يكون ذلك المركب صور ذلك المعنى، إما تحديدًا وإما تقريبًا.

الدرجة الثالثة: بيان صحة ذلك وتحقيقه، بذكر الدليل والقياس الذي يحقق ذلك المعنى، إما بدليل مجرد وإما بدليل يبين علة وجوده. وهنا قد يحتاج إلى ضرب أمثلة ومقاييس تفيده التصديق بذلك المعنى، كما يحتاج في «الدرجة الثانية» إلى أمثلة تصور له ذلك المعنى. وقد يكون نفس تصوره مفيدًا للعلم بصدقه، وإذا كفى تصور معناه في التصديق به لم يحتج إلى قياس، ومثل، ودليل آخر.

فإذا عرف القرآن هذه المعرفة فالكلام الذي يوافقه أو يخالفه -من كلام أهل الكتاب والصابئين والمشركين- لا بد فيه من الترجمة للفظ والمعنى أيضًا، وحينئذ فالقرآن فيه تفصيل كل شيء كما قال تعالى: {ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء} [يوسف: 111] ، وقال: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} [النحل: 89] .

ومعلوم أن الأُمة مأمورة بتبليغ القرآن؛ لفظه ومعناه، كما أمر بذلك الرسول، ولا يكون تبليغ رسالة الله إلا كذلك، وأن تبليغه إلى العَجَم قد يحتاج إلى ترجمة لهم، فيترجم لهم بحسب الإمكان، والترجمة قد تحتاج إلى ضرب أمثال لتصوير المعاني، فيكون ذلك من تمام الترجمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت