ويبين ابن تيمية أن الترجمة الخاطئة هي البلاء الذي أصاب الدين فيقول: (ثم لما عربت الكتب الرومية واليونانية في حدود المائة الثانية .. زاد البلاء مع ما ألقى الشيطان في قلوب الضُلَّال) .
ثم يتابع الإمام ابن تيمية توضيح كيفية محاجة أهل الضلال في ظل هذا اللبس فيقول: (ولما كانت المحاجة لا تنفع إلا مع العدل قال تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} [العنكبوت: 46] ، فالظالم ليس علينا أن نجادله بالتي هي أحسن، وإذا حصل من مسلمة أهل الكتاب، الذين علموا ما عندهم بلغتهم، وترجموا لنا بالعربية- انتفع بذلك في مناظرتهم ومخاطبتهم، كما كان عبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، وكعب الأحبار، وغيرهم يحدثون بما عندهم من العلم، وحينئذ يستشهد بما عندهم على موافقة ما جاء به الرسول، ويكون حجة عليهم من وجه، وعلى غيرهم من وجه آخر، كما بيناه في موضعه.
والألفاظ العبرية تقارب العربية بعض المقاربة، كما تتقارب الأسماء في الاشتقاق الأكبر. وقد سمعت ألفاظ التوراة بالعبرية من مسلمة أهل الكتاب، فوجدت اللغتين متقاربتين غاية التقارب، حتى صرتُ أفهم كثيرًا من كلامهم العبري بمجرد المعرفة بالعربية.
والمعاني الصحيحة إما مقاربة لمعاني القرآن، أو مثلها، أو بعينها، وإن كان في القرآن من الألفاظ والمعاني خصائص عظيمة. فإذا أراد المجادل منهم أن يذكر ما يطعن في القرآن بنقل أو عقل، مثل أن ينقل عما في كتبهم عن الأنبياء ما يخالف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، أو خلاف ما ذكره الله في كتبهم، كزعمهم للنبي أن الله أمرهم بتحميم الزاني دون رجمه؛ أي: جعل وجهه أسود. يقال: حَمَمْتُ وجهه تحميمًا: إذا سودته بالفحم، أمكن للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يطلبوا التوراة ومن يقرؤها بالعربية ويترجمها من ثقات التراجمة، كعبد الله ابن سلام ونحوه، لما قال لحبرهم: (ارفع يدك عن آية الرجم) ، فإذا هي تلوح، ورجم النبي صلى الله عليه وسلم الزانيين منهما، بعد أن أقام عليهم الحجة من كتابهم، وذلك أنه موافق لما أنزل الله عليه من الرجم، وقال: (( اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ) ).
ولهذا قال ابن عباس في قوله: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا} [المائدة: 44] : (محمد صلى الله عليه وسلم، من النبيين الذين أسلموا، وهو لم يحكم إلا بما أنزل الله عليه، كما قال: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} [المائدة: 49] وكذلك يمكن أن يقرأ من نسخة مترجمة بالعربية، قد ترجمها الثقات بالخط واللفظ العربيين يعلم بهما ما عندهم بواسطة المترجمين الثقات من المسلمين، أو ممن يعلم خَطَّهم منا، كزيد بن ثابت، ونحوه، لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتعلم ذلك، والحديث معروفٌ في السنن، وقد احتج به البخاري في باب «ترجمة الحاكم» و «هل يجوز ترجمان؟» ، قال:(وقال خارجة بن زيد بن ثابت عن زيد بن ثابت: أن النبي أمره أن يتعلم كتاب اليهود، حتى كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم كتبه، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه) .