فتأمل صفة المشكاة، وهي كُوَّةٌ تنفذ لتكون أجمع للضوء، قد وضع فيها المصباح، وذلك المصباح داخل زجاجة تشبه الكوكب الدري في صفائها وحُسنها، ومادته من أصفى الأدهان وأتمها وقودًا، من زيت شجرة في وسط القَرَاح [1] ، لا شرقية ولا غربية، بحيث تصيبها الشمس في أحد طرفي النهار .. بل هي في وسط القَرَاح محمية بأطرافه، تصيبها الشمس أعدل إصابة، والآفات إلى الأطراف دونها، فمن شدة إضاءة زيتها وصفائها وحسنها يكاد يضيء من غير أن تمسه نار ..
فهذا المجموع المركب هو مثل نور الله تعالى الذي وضعه في قلب عبده المؤمن وخصه به ..
فـ «المشكاة» صدر المؤمن، و «الزجاجة» قلبه، شبه قلبه بالزجاجة لرقتها وصفائها وصلابتها؛ وذلك قلب المؤمن، فإنه قد جمع الأوصاف الثلاثة ..
فهو بـ «رِقته» .. يَرحَم ويُحسِن ويَتَحنَّن ويُشفِقُ على الخلق ..
وبـ «صفائه» .. تتجلى فيه صور الحقائق والعلوم على ما هي عليه، ويباعد الكدر والدرن والوسخ بحسب ما فيه من الصفاء ..
وبـ «صلابته» .. يتشدد في أمر الله، ويتصلب في ذات الله تعالى، ويغلظ على أعداء الله تعالى، ويقوم بالحق.
وقد جعل الله تعالى القلوب كالآنية، كما قال بعض السلف: (القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إليه: أرقها وأصلبها وأصفاها) ..
و «المصباح» هو نور الإيمان في قلبه .. و «الشجرة المباركة» هي شجرة الوحي المتضمنة للهدى ودين الحق وهي مادة المصباح التي يتقد منها ..
و «النور على النور» نور الفطرة الصحيحة والإدراك الصحيح، ونور الوحي والكتاب ..
فينضاف أحد النورين إلى الآخر فيزداد العبد نورًا على نور ..
ولهذا يكاد ينطق بالحق والحكمة قبل أن يسمع ما فيه بالأثر، ثم يبلغه الأثر بمثل ما وقع في قلبه ونطق به؛ فيتفق عنده شاهد العقل والشرع والفطرة والوحي، فيريه عقله وفطرته وذوقه الذي جاء به الرسول هو الحق، لا يتعارض عنده العقل والنقل البتة، بل يتصادقان ويتوافقان .. فهذا علامة النور على النور، عكس من تلاطمت في قلبه أمواج الشُّبه الباطلة والخيالات الفاسدة من الظنون والجهالات كما قال تعالى عنهم: {أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} [النور: 40] .
فانظر كيف تضمنت هذه الآيات طرائق بني آدم أتمَّ انتظام، واشتملت عليه أكمل اشتمال.
وبعد أن ذكر الإمام ابن القيم نموذج الطبيعة الإنسانية الصحيحة في معرفة الله والإيمان به يذكر أقسام الناس تجاه هذا النموذج ..
(والناس بالنسبة لنور الله قسمان:
(1) القَرَاح: أرض منبسطة مخصصة للزرع ليس عليها بناء، والقراح الخالص من كل شيء.