وربما ظنَّ ظان أن مجرد مناظرة أهل الكتاب فيها تنازل عن الحق ومخالفة لوجوب الصدع بالحق، وهذا الظن ليس بشيء؛ لأننا في هذا المقام نتكلم بطريق التنزل مع الخصم، وهي من طريقة القرآن، ولهذا فإننا- كما يقول شيخ الإسلام: (نتنزل لليهودي والنصراني في مناظرته وإنْ كنا عالمين ببطلان ما يقوله، اتباعًا لقوله تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: 125] وقوله: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} [العنكبوت: 46] وإلا فعلمنا ببطلان ما يعارضون به القرآن والرسول ويصدون به عن سواء السبيل وإن جعلوه من المعقول بالبرهان أعظم من أن يبسط في هذا المكان) [1]
وهذا الصدع لا يعني ترك أدب الجدال والحوار أو التخلي عن أخلاق وآداب الإسلام، فالمسلم هو المسلم في كل الأحوال، وإنما يصول ويجول بالله ولله لا بنفسه ولا لهواه.
ليس هناك شروطًا خاصة بالمجادل الكتابي في الشريعة سوى عدم الظلم [2] والدليل قول الله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم} [العنكبوت: 46] فإنْ كان منهم فيخرج الجدال معه عن مسمى «الجدال بالتي هي أحسن» ؛ وينتقل الخطاب معه إلى مجادلة بغير التي هي أحسن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فالظالم لم يؤمر بجداله بالتي هي أحسن، فمن كان ظالمًا مستحقًّا للقتال غير طالب للعلم والدين فهو من هؤلاء الظالمين الذين لا يجادلون بالتي هي أحسن، بخلاف من طلب العلم والدين ولم يظهر منه ظلم، سواء كان قصده الاسترشاد، أو كان يظن أنه على حق يقصد نصر ما يظنه حقًّا، ومن كان قصده العناد يعلم أنه على باطل ويجادل عليه فهذا لم يؤمر بمجادلته بالتي هي أحسن، لكن قد نجادله بطرق أخرى نبين فيها عناده وظلمه وجهله جزاءً له
(1) درء التعارض (1/ 188) .
(2) الحوار مع أهل الكتاب، للقاسم، ص162.