الفصل الثاني
عوامل التحريف
تمهيد [1] :
لما كانت معصية إبليس منطلقًا له في إضلال البشر كانت كذلك منطلقًا لكل عوامل هذا الإضلال والتحريف ..
وقد اتفقنا أن إبليس هو مصدر التحريف، وبناء على ذلك نثبت أن انطلاق كل عوامل التحريف ناشئة عنه، وهذا هو التفسير ..
كان الكبر هو البداية الحقيقية لمعصية إبليس، وكان الشعور بإمكانية الاستغناء عن الله هو البداية الحقيقية التي وسوس بها إبليس إلى آدم وحواء: {فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} [طه: 120] ..
ومن الشعور بالاستغناء عن الله يكون ادعاء الإنسان الفعل الإلهي لنفسه ..
حتى أصبح الشعور بهذا الاستغناء هو بداية الطغيان البشري: {كلا إن الإنسان ليطغى* أن رآه استغنى} [العلق: 7] .
وعندما يرى الإنسان نفسه مستغنيًا عن الله .. فإنه يدعي أفعاله، والكفر بالنعمة مثلا لا يكون فقط بإنكار مصدرها الإلهي .. بل بنسبتها إلى مصدر إنساني: {قال إنما أوتيته على علم عندي} [القصص: 78] .
وعلى ذلك: فكل تحريف للحق يرتبط في شكله وصيغته بالحق نفسه؛ لأنه ليس تحريفًا في موضوع الحق، بل في وجهته، فالنعمة هي النعمة؛ لكن وجهتها تتغير من الله إلى الإنسان.
ولذلك أثبت القرآن مصدرية الخلق إلى الله، عن طريق إثبات عدم مصدرية الإنسان له؛ لأن الإنسان مفطور على أن أحدهما يستبدل الآخر: {أفرأيتم ما تمنون* أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون} [الواقعة: 58 - 59] .
(1) يراجع بالتفصيل كتاب نظرية في الغيبيات، للأستاذ/ يحيى رفاعي.