فهرس الكتاب

الصفحة 277 من 656

وحقيقة الحفظ الإلهي لمن يعمل لله سبحانه لها أمثلة توضحها: ففي غزوة الخندق قال حذيفة رضي الله عنه: (لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة وقَرٌّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ ) )فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ثم قال: (( ألا برجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ ) )فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ثم قال: (( ألا برجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟ ) )فسكتنا فلم يجبه منا أحد، فقال: (( قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم ) )فلم أجد بدًّا، إذ دعاني باسمي، أن أقوم، قال: (( اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعرهم عليَّ ) )فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام، حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يُصْلِي ظهره بالنار، فوضعت سهمًا في كبد القوس، فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله: (( ولا تذعرهم عليَّ ) )ولو رميته لأصبته، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحَمَّام، فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت .. قَرَرْتُ [1] ، فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلى فيها، فلم أزل نائما حتى أصبحت، فلما أصبحت قال: قم يا نومان) [2] .

هذا المثال يوضح الدقة الزمنية للحفظ، وارتباطه بالعمل لله؛ لأن الصحابي كان يشعر أنه في «حَمَّام» طوال وقت المهمة، وبمجرد انتهائها عاد إلى الشعور بالبرد ..

ومن المهم أن نلاحظ أن إرسال رسول جديد كان مرتبطًا إلى حد كبير بافتقاد أثر الرسالة السابقة، فموسى عليه السلام جاء إلى بني إسرائيل قبل أن تدرس فيهم معالم دين إبراهيم، تحت وطئة القهر الفرعوني .. كما جاء عيسى عليه السلام مظهرًا لحقائق التوراة التي حرفها بنو إسرائيل، ومجددًا لمعالم الدين، وعندما طمست تعاليم عيسى، وحُرِّف التوراة والإنجيل، اقترب ظهور محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته الخاتمة .. [3] .

(1) القَرُّ: البرد، و «قَرَرْتُ» أي أصابتني رعشة من شدة البرد.

(2) رواه مسلم.

(3) تراجع قصة إسلام سلمان الفارسي، في الباب اللاحق فصل البقايا، وكيف ارتبط تبشير آخر راهب على الدين الحق ببعثة الرسول بانقراض من هم على شاكلته من أتباع دين عيسى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت