ومضمونه، وإذا كان الصليب كمضمون للتحريف يمثل الجانب الاعتقادي فيه، فإن قتل الخنزير يمثل الجانب الشرعي في هذا التحريف، وباجتماع الصليب والخنزير ضاع الدين بجانبيه العقدي والشرعي ..
وهذا هو الجانب الأول في ذكر قتل الخنزير بجانب كسر الصليب ..
أما الجانب الثاني فهو أن استحلال الخنزير يمثل أقوى دلالات التحريف في النصرانية، وذلك لعدة أسباب:
أولا: أن حكم تحريم الخنزير من الأحكام التي لا تقبل النسخ، بسبب أن علة تحريمه راجعة إلى طبيعته التي لا تتغير .. !
وهناك دلالة ثابتة للتعبير القرآني: «لحم الخنزير» وهي أن لحم الخنزير ينفرد من بين جميع اللحوم المذكورة في آيات التحريم بأنه حرام لذاته؛ أي لعِلة مستقرة فيه، أو وصف لاصق به، أما اللحوم الأخرى فهي محرمة لعِلة عارضة عليها، فإذا ذكيت فلحمها حلال طيب ولا تحرم إلا إذا كانت ميتة أو ذبحت لغير الله.
وتفسير معنى اسم «الخنزير» ومشتقاته التي تدور جميعًا حول معنى «النتن» تؤكد هذه الدلالة ..
فجذر الاسم: خنز يخنز إذا أنتن، ومنه الخنزوان وهو الخنزير، والخنازير: قروح صلبة تكون في الرقبة، والعرب تضرب بالخنزير مثل القبح والخبث، فيقولون: القبح ضد الحسن يكون في الصورة كقبوح الخنازير، ويقولون: السحت هو ما خبث من المكاسب كثمن الخنزير والجمع أسحات، كما يقول العرب الخزنزر: سيِّئ الخلق، وأخزر: المرأة البغي، ويقولون: يعفر .. الخنزير الذكر، وهو أيضًا الرجل الخبيث، وهذا المعنى هو الوارد في تفسير قول الله عز وجل: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3] .
عن أبي الطفيل قال: نزل آدم بتحريم أربع: «الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به» وأن هذه الأربعة أشياء لم تحل قط، فلما كانت بنو إسرائيل .. حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم بذنوبهم، فلما بعث الله عيسى ابن مريم عليه السلام نزل