الثاني: الخبرات التي اكتسبها النصارى من تجاربهم السابقة.
وقد بدأت المواجهة الفكرية بين الإسلام والنصرانية -تاريخيًّا- بوفد نصارى نجران الذين أقبلوا على النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه عن قوله في المسيح ويناظرونه عليه، عن المغيرة بن شعبة قال: (لما قدمت نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرءون {ياأخت هارون} وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك فقال: إنهم كانوا يُسَمَّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم) .
ثم تراجعهم أمام النبي عندما دعاهم للابتهال، ليكشف هذا التراجع حقيقة أن النصارى يفتقدون اليقين في عقيدتهم منذ البداية، وأن طبيعة موقفهم في المواجهة يقوم على أساليب المكر والكيد.
ثم مرورًا بمرحلة التسلل لإفساد العقيدة من خلال ترجمة النصارى -العاملين ببلاط الخلافة العباسية- للفلسفة اليونانية، وإغراء الحكام والسلاطين بها، والتسبب في ظهور الفرق المبتدعة نتيجة المناظرة والطعن في الدين على أساس المنطق اليوناني والفلسفة الأفلاطونية.
وانتهاءً بمرحلة استخدام المصطلحات والنصوص الإسلامية لتمرير المضامين والمعتقدات النصرانية، لتسهيل مهمة تقبل نقائضها وخرافاتها على العقل المسلم، خصوصًا بعد أن وصل هذا العقل إلى حالة من الجهل المطبق بدينه [1]
(1) سبقت الإشارة إلى هذا الكلام في مبحث: العقلية التحريفية-الباب الثالث.