والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ومعلوم أن ظهور الإسلام بالعلم والبيان قبل ظهوره باليد والقتال، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مكث بمكة ثلاث عشرة سنة يظهر الإسلام بالعلم والبيان والآيات والبراهين، فآمن به المهاجرون والأنصار طوعًا واختيارًا بغير سيف، لما بان لهم من الآيات البينات والبراهين والمعجزات، ثم أظهره بالسيف، فإذا وجب علينا جهاد الكفار بالسيف ابتداءً ودفعًا؛ فلأن يجب علينا بيان الإسلام وإعلامه ابتداء ودفعًا لمن يطعن فيه بطريق الأولى والأحرى.
فإن وجوب هذا قبل وجوب ذاك، ومنفعته قبل منفعته، ومعلوم أنه يحتاج كل وقت إلى السيف، فكذلك هو محتاج إلى العلم والبيان، وإظهاره بالعلم والبيان من جنس إظهاره بالسيف، وهو ظهور مجمل علا به على كل دين، مع أن كثيرًا من الكفار لم يقهره سيفه، فكذلك كثير من الناس لم تظهر لهم آياته وبراهينه، بل قد يقدحون فيه ويقيمون الحجج على بطلانه، لاسيما والمقهور بالسيف فيهم منافقون كثيرون، فهؤلاء جهادهم بالعلم والبيان .. دون السيف والسنان).
الثانية: دحض القول بانتشار الدين بالسيف
يقول الإمام ابن تيمية: (يزعم كثير من أهل الكتاب أن محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته إنما أقاموا دينهم بالسيف، لا بالهدى والعلم والآيات، فإذا طَلَبوا العلم والمناظرة فقيل لهم: ليس لكم جواب إلا السيف .. كان هذا مما يقرر ظنهم الكاذب، وكان هذا من أعظم ما يحتجون به عند أنفسهم على فساد الإسلام، وأنه ليس دين رسول من عند الله .. وإنما هو دين ملِك أقامه بالسيف) .
ومن المعلوم أن السيف لا سيما سيف المسلمين وأهل الكتاب هو تابع للعلم والحجة، بل وسيف المشركين هو تابع لآرائهم واعتقادهم، والسيف من جنس العمل، والعمل أبدًا تابع للعلم والرأي ..