على الإبداء، خاطب أهل العلم والكتاب منهم، وأمرهم أن يذكروا نعم الله تعالى عليهم، ويوفوا بعهده في اتباع الحق واقتفاء الحجج ليكونوا أول من آمن بمحمد صلّى الله عليه وسلّم وما أنزل عليه. انتهى [1] لقد انتقل السياق القرآني من الحديث عن القرآن العظيم؛ ذلك المنهج والدستور الرباني الخالد؛ وأنه لا ريب فيه الهداية والفلاح إلى الحديث عن مواقف الناس تجاه دعوته وتحدث عن قضيته الأولى(قضية
التوحيد)انتقل الخطاب للحديث إلى بني إسرائيل .. فما عساه يكون وجه المناسبة؟ فائدة: لماذا كثر الخطاب لبني اسرائيل في سورة البقرة وفي القرآن بعامة؟ قال العلامة أبو السعود: هو تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى طائفة خاصةٍ من الكفرة المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم لتذكيرهم بفنون النعم الفائضة عليهم
بعد توجيهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرِه بتذكير كلهم بالنعمة
العامة لبني آدم قاطبةً: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} الخ {وَإِذْ قُلْنَا للملائكة} الخ؛ لأن المعنى: أي بلّغهم كلامي، واذكر لهم إذ جعلنا أباهم خليفةً في الأرض وكرمناه، وشرفناه، وقبِلْنا توبتَه، والخطاب للناس جميعًا إذ الابنُ مَبْنَى أبيه .. [2] فقد بيّن الله سبحانه طريق الهداية والضلال، ونبَّه على جزاء كل منهما إجمالا؛ ثم أشار هنا إلى تفصيله وتوضيحه بإيراد قصص القرون الماضية والأمم السالفة ليعتبر المؤمنون منها ولا ينزلقوا مزالق الغاوين الضالين قبلهم، ومن جملتها قصة إنعامه
سبحانه على بنى إسرائيل وكفرهم وغَيِّهم .. وهنا يؤكد على وظيفته المنهجية في الهداية والتنوير للإنسان لكى يمشي في طريق الحياة على نورٍ من ربه وبصيرةٍ وهدىً؛. بلا ولا تعثرٍ .. قال العلامة ابن جزي: فإنه تعالى لما قدَّم دعوة الناس عموما إسرائيل خصوصا وهم اليهود، فتارةً دعاهم بالملاطفة وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم، وتارة بالتخويف، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وذكر العقوبات التي عاقبهم بها. [3] وابتداء من هذا المقطع في السورة يواجه السياق بني إسرائيل، أولئك الذين واجهوا الدعوة في المدينة مواجهةً منكرة، وقاوموها مقاومة خفية وظاهرة، وكادوا لها كيدًا موصولًا لم يفتر لحظة منذ أن ظهر الإسلام بالمدينة وتبين لهم أنه في طريقه إلى الهيمنة على مقاليدها، وعزلهم من القيادة
الأدبية والاقتصادية
(1) تفسير البيضاوي = أنوار التنزيل وأسرار التأويل (1/ 75)
(2) تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم (1/ 94) باختصار طفيف.
(3) تفسير ابن جزي =
التسهيل لعلوم التنزيل (1/ 80)