بالعقاب على فعله، لِلَّهِ أن ما
أوعد
الله - تعالى - به
أولى بأن يُتَّقَى، وما وعد به أولى بأن يُرجَى
ويُطلَب. وأما الاستعانة بالصلاة فهي أقرب إلى حصول المأمول؛ وإرجاع النفس إلى الله - تعالى - لما لها من التأثير
في الروح، ولكنها أشق
على النفس الأمارة بالسوء؛ ولذلك قال - تعالى: {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} أي: لثقيلة شديدة الوقع كقوله تعالى: {كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} .. إلا على المخبتين المتطامنة قلوبهم وجوارحهم لله - تعالى -؛ فهؤلاء هم الذين يستفيدون بالصلاة والصبر وكل الخلائق الحسنة، لما تعطيه الصلاة من مراقبة الله - تعالى -، كما قال - عز وجل: إن الإنسان
خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين، فمن خواص الصلاة والصبر نفي الجزع، ومن خواصها، ومن خواصها الجود والسخاء، فالمصلي الحقيقي هو البار الحقيقي الذي لا يترك الحق لأجل شهوة في معاملاته مع الخلق من خوف وخشية، هذا أثر صلاة الخاشعين بالإجمال، ولذلك قال - تعالى:
قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم
خاشعون. ثم وصف، ويظهر وجه الاستعانة به فقال سبحانه: {الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون} أي: الذين يتوقعون لقاء الله - تعالى - يوم الحساب والجزاء وأنهم لا مرجع لهم إلى، قال شيخنا: فالإيمان بلقاء الله - تعالى - هو الذي يوقف المعتقد عند حدوده، ولو لم يكن الاعتقاد
يقينيا، فإن الذي يغلب على ظنه أن هذا الشيء ضار يجتنبه أو أنه نافع يطلبه، ولذلك اكتفى هنا بذكر الظن، وقد فسر الظن مفسرنا(الجلال السيوطي
)باليقين؛ لأنه الاعتقاد المنجي في الآخرة، وفاته أن الاكتفاء بالظن أبلغ في التقريع والتوبيخ كأن هؤلاء الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يقرءون الكتاب لا يصل إيمانهم بالله وبكتابه إلى درجة الظن الذي يأخذ صاحبه بالاحتياط. (أقول) : بل هو تقليد عادي محض كالعادات القومية والوطنية فهو لا ينجي صاحبه في الآخرة. ا. ه. كلام العلامة رشيد رضا. قال ابن جرير الطبري: معنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب،
بحبس أنفسكم على طاعة الله وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من رضا، العظيمة إقامتها إلا على المتواضعين لله المستكينين لطاعته المتذللين من مخافته. قال ابن كثير، والظاهر أن الآية وإن كانت خطابا في سياق إنذار بني إسرائيل، فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم. والله
أعلم.