فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 604

العلم بأن الرجوع عن ذلك الأمر غير ممكن، والحصر في الحديث مقصوده حقيقة الصبر قبل إعمال العقل وإدراك أن الأمر حاصل

لا محيص عنه؛ لذا كانت حقيقته عند الصدمة الأولى. والصلاة أريد بها هنا معناها الشرعي في الإسلام وهي: مجموع محامد لله تعالى قولا وعملا واعتقادا

؛ فلا جرم كانت الاستعانة المأمور بها هنا راجعة لأمرين (الصبر والشكر) .. وقد قيل

إن الإيمان صبر ونصفه شكر؛ كما في، وهو قول حسن. ومعظم الفضائل ملاكها الصبر؛ إذ الفضائل تنبعث عن مكارم الخلال، والمكارم راجعة إلى قوة الإرادة، وكبح زمام النفس عن الإسامة في شهواتها بإرجاع القوتين الشهوية والغضبية عما لا

يفيد كمالا أو عما يورث نقصانا .. فكان الصبر ملاك الفضائل فما التحلم والتكرم والتعلم والتقوى والشجاعة والعدل والعمل في الأرض ونحوها إلا من ضروب الصبر.

ومما يؤثر عن علي - رضي الله عنه: الشجاعة صبر ساعة. وحسبك بمزية الصبر أن الله

جعله تعالى {والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا} وقال هنا {واستعينوا بالصبر والصلاة} .. قال الغزالي: ذكر

الله الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعا، وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر وجعلها ثمرة له، فقال عز من قائل {وجعلنا منهم أئمة} ، وقال: {وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} ، وقال {إن الله مع الصابرين} اهـ. وأنت إذا تأملت وجدت أصل التدين والإيمان من ضروب الصبر؛ فإن فيه مخالفة النفس هواها ومألوفها في التصديق بما هو

مغيب عن الحس الذي اعتادته، وبوجوب طاعتها واحدا من جنسها لا

تراه يفوقها في الخلقة وفي مخالفة عادة آبائها وأقوامها من الديانات.

فإذا صار الصبر خُلُقا لصاحبه هوَّن عليه مخالفة ذلك كله

لأجل الحق والبرهان .. فظهر وجه الأمر بالاستعانة على الإيمان وما يتفرع عنه بالصبر؛

فإنه خلق يفتح أبواب النفوس لقبول ما أمروا به من ذلك. وأما الاستعانة بالصلاة

فلأن الصلاة شكر والشكر يذكِّر بالنعمة؛ فيبعث على امتثال المنعم على أن

في الصلاة صبرا من جهات في مخالفة حال المرء المعتادة ولزومه حالة في وقت معين لا يسوغ له التخلف

عنها ولا الخروج في الصلاة سرا إلهيا لعله ناشئ عن تجلي الرضوان الرباني على المصلي .. فلذلك نجد للصلاة سرا عظيما في تجلية الأحزان وكشف غم النفس وقد في الحديث:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا حزبه - بزاي وباء موحدة - أي نزل به أمر- فزع إلى الصلاة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت