فهرس الكتاب
وقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} في هذه الآية لم يتحدث الحق جل جلاله عن فرعون. وإنما تحدث عن إغراق آل فرعون. لماذا؟ لأن آل فرعون هم الذين أعانوه على جبروته وبطشه وطغيانه. هم الأداة التي استخدمها لتعذيب بني إسرائيل. والله سبحانه وتعالى أراد أن يرى بنو إسرائيل آل فرعون وهم يغرقون فوقفوا يشاهدونهم. وأنت حين ترى مصرع عدوك. تشعر بزوال المرارة التي في قلبك. {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} تحتمل معنى آخر. أي ينظر بعضكم إلى بعض وأنتم غير مصدقين أنكم نجوتم
من هذا
البلاء العظيم. وفي نفس الوقت تطمئنون وأنتم تشاهدونهم. وهم يغرقون دون أن ينجو منهم أحد حتى
لا يدخل في قلوبكم الشك. أنه ربما نجى بعضهم وسيعودون بجيش ليتبعوكم.) .. [1]
)[وتَنْظُرُونَ: قيل: معناه بأبصاركم لقُرْبِ بعضهم لأنهم كانوا في شُغُلٍ. قال الطبريُّ: وفي أخبار القرآن على لسان النبيّ صلّى الله عليه وسلم بهذه المغيَّبات التي لم تكُنْ من علم العَرَب، ولا وقعتْ إلا في خفيِّ علْمِ بني إسرائيل دليلٌ واضحٌ عند بني إسرائيل، وقائم/ عليهم بنبوءة نبيّنا محمّد صلّى الله
عليه وسلم.] [2] ونتوقف
هنا أمام (الأداء النفسي) الرائع للقرآن الحكيم وهو يستجيش في النفس تلك الصورة المتكاملة التفاصيل والمتلاحقة المشاهد والتي تضع المتدبر أمام مشهد حىٍ نابضٍ يوضح مدى جحود بني إسرائيل لنعمة ربهم في إنجائهم وتخليصهم من عدوهم .. وكل ذلك - فقط - في آيةٍ واحدةٍ تمثل في صياغتها لقصة طويلة ومشهد كامل قمة الإعجاز فوق ما تصفه من المعجزة بتفاصيلها. لطيفة لغوية وإعجاز علمي الفَرْق في اللغة أصله من الفصل قال الزبيدي: فرَق بيْنَهُما أَي: الشيئيْن، يَفْرُق فَرْقًا وفُرْقانًا، بالضّمِّ: أي فصَل. وَقَالَ الأصبهانيّ: الفَرْق يُقارِب الفَلْق، لَكِن
الفَلْقُ يُقالُ باعْتِبارِ الانْشِقاق، والفَرْق يُقال باعْتِبار الانْفِصال، ثمَّ الفَرْقُ بينَ الشَّيْئَيْنِ سَواءٌ كَانَ بِمَا يُدرِكُه البَصَر، أَو بِمَا تُدرِكُه البَصيرة .. ، قَالَ: والفُرْقانُ أبلَغُ من الفَرْقِ لأنّه يُستَعْمَلُ فِي الفَرْقِ بَين الحقِّ والباطِل، والحُجّة والشُبْهة .. ، وقولُه تَعالَى: {فِيهَا يُفْرَق كُلُّ أمْرٍ حَكِيم} . قَالَ قَتادةُ أَي: يُقْضَى وَقيل: {وقُرآنًا فَرَقْناه} أَي: فصّلْناه وأحْكَمْناه وبيّنّا
فِيهِ الأحكامَ، هَذَا على
(1) من تفسير الشيخ الشعراوي (1/ 329) بتصرف وزيادة.
(2) تفسير الثعالبي = الجواهر الحسان في تفسير القرآن (1/ 237)