فهرس الكتاب
وَقَدْ كَانَ هَارُونُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَهَاهُمْ عَنْ هَذَا الصَّنِيعِ الْفَظِيعِ أَشَدَّ النَّهْيِ، وَزَجَرَهُمْ عَنْهُ أَتَمَّ الزَّجْرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ
هارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ به .. أَيْ إِنَّمَا قَدَّرَ اللَّهُ أَمَرَ هَذَا الْعِجْلِ وَجَعَلَهُ يَخُورُ فِتْنَةً وَاخْتِبَارًا لَكُمْ .. {وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ} - أي لا هذا - {فَاتَّبِعُونِي} - أَيْ فِيمَا أَقُولُ لَكُمْ - {وَأَطِيعُوا أَمْرِي. قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا .. يَشْهَدُ اللَّهُ تعالى لِهَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا} - أَنَّهُ نَهَاهُمْ وَزَجَرَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يطيعوه ولم يتبعوه .. ثم
أقبل موسى عَلَى السَّامِرِيِّ .. {قَالَ فَما خَطْبُكَ يَا سامِرِيُّ} أَيْ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ .. {قَالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا به} أَيْ رَأَيْتُ جِبْرَائِيلَ عليه السلام وَهُوَ رَاكِبٌ فرسا {فَقَبَضْتُ من أَثَرِ الرَّسُولِ} أَيْ مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ (رسول الملائكة) . وَقَدْ ذَكَرَ
بعضهم أنه رآه وكلما وَطِئَتْ بِحَوَافِرِهَا عَلَى مَوْضِعٍ اخْضَرَّ وَأَعْشَبَ فَأَخَذَ مِنْ أَثَرِ حَافِرِهَا فَلَمَّا أَلْقَاهُ فِي هَذَا الْعِجْلِ الْمَصْنُوعِ مِنَ الذَّهَبِ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ .. وَلِهَذَا قَالَ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي. قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ
فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ
لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وقرئ {لَنْ نُخْلِفَهُ} على أن الكلام والوعيد من الله تعالى .. {وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا} .. فَعَمَدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى هَذَا العجل فحرقه بالنار ثُمَّ ذَرَّاهُ فِي الْبَحْرِ، وَأَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَشَرِبُوا فَمَنْ كَانَ مِنْ عَابِدِيهِ عَلَّقَ عَلَى شِفَاهِهِمْ مِنْ ذَلِكَ الرَّمَادِ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ بَلِ اصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ .. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا .. وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ} .. وَهَكَذَا وَقَعَ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ {وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} مسجلة لكل صاحب بدعة الى يوم القيامة. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حِلْمِهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ وَإِحْسَانِهِ عَلَى عَبِيدِهِ فِي قَبُولِهِ تَوْبَةَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ بِتَوْبَتِهِ عَلَيْهِ فَقَالَ: {وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ من بَعْدِها لَغَفُورٌ} ..