فهرس الكتاب
حديثٌ عن بلاغة الخطاب (النفسي) في القرآن الكريم قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ
يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ
بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) . في هذه الآيات ضرب من ضروب التذكير غير ما سبقه، ومن البلاغة والحكمة
أن يجيء تاليا له ومتأخرا عنه: مهد أولا للتذكير تمهيدا يسترعي السمع، ويوجه الفكر ويستميل القلب، وهو الابتداء بذكر النعمة مجملة والتفضيل على العالمين ولا يرتاح الإنسان لحديث كحديث مناقب قومه ومفاخرهم، ثم طفق يفصل النعمة ويشرحها، فبدأ بذكر فرد من أفرادها لا يقترن به ذكر سيئة من سيئاتهم وهو تنجيتهم من ظلم آل فرعون، ولكن ذكر معه أكبر ضروب ذلك الظلم - وهو قتل الأبناء - يخفض من عتو تلك النفوس المعجبة المتكبرة التي تعتقد أن الله
لا يسود
عليهم شعبا آخر، وهو مع هذا لا ينفر بها عن الإصغاء والتدبر؛ لأنه لم يفاجئها بشيء فيه نسبة التقصير وعمل السوء إليها، ثم ثنى بذكر نعمة خاصة خالصة تسكن النفس إلى ذكرها، إذ لا يشوب الفخر بها تنغيص من تذكر غضاضة تتصل بواقعتها، وهي فرق البحر بهم وإنجاؤهم، وإغراق عدوهم. لا جرم أن نفوس الإسرائيليين كانت تهتز وتأخذها الأريحية عند ما تلا عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية لما من الشهادة بعناية الله - تعالى - بهم، ولا سيما إذا قارنوا بين هذا التذكير وبين تذكير مشركي العرب بتلك القوارع الشديدة، لم
يتركها بعد هذه الهزة تجمح في عجبها وفخرها، وتتمادى في إبائها وزهوها، بل عقب عليها فذكر بعد هذه النعمة سيئة لهم، هي كبرى السيئات التي ظلموا بها أنفسهم وكفروا نعمة ربهم، وهي اتخاذ العجل إلها، وقدم على ذكرها خبر مواعدة موسى وهي من النعم، وختمها بذكر العفو، ثم قفى عليها بذكر نعمة إيتائهم الكتاب والفرقان، وهذا ما يجعل أنفس السامعين الواعين قلقة يتنازعها شعور اعتراف المذكر الواعظ لها بالشرف،
وشعور رميه إياها بالظلم والسرف. بعد هذا كله استعدت تلك النفوس؛ لأن تسمع من غير تمهيد ولا توطئة، فانتقل الكلام إلى هذا الضرب من التذكير مبدوءا بقوله - تعالى: {وإذ قال موسى لقومه} أي واذكر أيها الرسول فيما تلقيه على بني إسرائيل وغيرهم إذ قال موسى لقومه الذين اتخذوا من حليهم