فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 604

عجلا عبدوه إذ كان يناجي ربه في الميقاتين: الزماني، والمكاني {يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل} إلها عبدتموه. والقصة مفصلة في سورتي الأعراف وطه المكيتين؛ لأن قصة موسى

فيهما مقصودة بالذات، وأما ما هنا فهو تذكير لبني إسرائيل بما تقدم وجهه في سياق دعوتهم {فتوبوا إلى بارئكم} أي فتوبوا إلى خالقكم الذي لا يجوز أن تعبدوا معه إلها آخر هو أدنى منكم، وهو من خلقكم، أي تقديركم وصنعكم، وذلك بأن يقتل بعضكم بعضا، فإن قتل

المرء لأخيه كقتله لنفسه، ويحتمل اللفظ أن يكون معناه ليبخع كل من عبد العجل نفسه انتحارا. حقيقة معنى التوبة في النفس تكلم الأستاذ محمد عبده في التوبة وقال: إنها

محو أثر في الذنب من لوح القلب، والباعث عليها هو شعور التائب بعظمة من عصاه، وما له من السلطان عليه في الحال، وكون مصيره إليه في المآل، لا جرم أن الشعور بهذا السلطان الإلهي بعد مقارفة الذنب يبعث في قلب المؤمن الهيبة والخشية، ويحدث في روحه انفعالا مما فعل، وندما على صدوره عنه، ويزيد هذا الحال في النفس تذكر الوعيد على ذلك الذنب، وما رتبه الله عليه من العقوبة في الدنيا والآخرة. هذا أثر في النفس، وهذا الأثر يزعج التائب إلى القيام

بأعمال تضاد ذلك الذنب الذي تاب منه وتمحو أثره السيئ {إن}

فمن علامة التوبة النصوح الإتيان بأعمال تشق على النفس، وما كانت لتأتيها لولا ذلك الشعور الذي يحدثه الذنب، وهذه العلامة لا تتخلف عن التوبة، سواء كان الذنب مع الله - تعالى - أو مع الناس، ألا ترى أن أهون ما يكون من إنسان يذنب مع آخر يباهي به أن يجيء معترفا بالذنب معتذرا عنه؟ وهذا ذل يشق على النفس لا محالة، وقد أمر بنو إسرائيل بأشق الأعمال في تحقيق التوبة من أكبر الذنوب، وهو الرغبة عن عبادة من خلقهم وبرأهم إلى عبادة ما عملوا بأيديهم وقد قال: (فتوبوا إلى بارئكم) لينبههم إلى أن الإله الحقيقي هو الخالق البارئ ليتضمن الأمر الاحتجاج عليهم والبرهان على جهلهم، ذلك العمل الذي أمرهم به موسى هو قتل أنفسهم ..

قال -

تعالى: {ذلكم خير لكم عند بارئكم}

لأنه يطهركم من رجس الشرك الذي دنستم به أنفسكم ويجعلكم أهلا لما وعدكم به في الدنيا ولمثوبته في الآخرة، وقوله: {فتاب عليكم} من كلام الله - تعالى - لا تتمة لكلام موسى - عليه السلام - في الظاهر، وهو معطوف على محذوف، تقديره ففعلتم ما أمركم موسى به، فتاب عليكم {إنه هو التواب الرحيم} أي أنه هو وحده الكثير التوبة على عباده بتوفيقهم لها وقبولها منهم، وإن تعددت قبلها جرائمهم، الرحيم بهم، ولولا

رحمته لعجل بإهلاكهم ببعض ذنوبهم الكبرى ولاسيما الشرك به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت