فهرس الكتاب
{وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} أي واذكروا إذ قلتم لنبيكم: يا موسى لن نصدق بما جئت به تصديق إذعان وإتباع، حتى نرى الله عيانا جهرة، فيأمرنا بالإيمان لك، {فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون} أي فأخذت القائلين ذلك منكم الصاعقة وأنتم تنظرون بأعينكم، وسيأتي بيان هذا بالتفصيل في سورة الأعراف، فالقصة هنالك مقصودة بكل ما فيها من فائدة وعبرة، وإنما المراد بها هنا التذكير كما تقدم. قال الأستاذ الإمام: سؤال بني إسرائيل رؤية الله - تعالى - واقعة مستقلة لا تتصل بمسألة عبادة العجل، وهي معروفة عند بني إسرائيل ومنصوصة في كتابهم، .. وقد أخذ هذا العذاب تلك الطائفة والآخرون ينظرون، وهكذا بنو إسرائيل يتمردون ويعاندون موسى - عليه السلام -، وكان سوط عذاب الله يصب عليهم، فرموا بالأمراض والأوبئة، وسلطت عليهم الهوام وغيرها حتى
أماتت منهم خلقا كثيرا، فمجاحدتهم ومعاندتهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - لم تكن بدعا من أعمالهم. [1] دلت الآية على أن طلب رؤيته تعالى في الدنيا مستنكر غير جائز، ولذا لم يذكر، سبحانه وتعالى، سؤال الرؤية إلا استعظمه. وذلك في آيات. منها هذه. ومنها قوله تعالى: {يسألك أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} (النساء: 153) ، ومنها قوله تعالى: {وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا، لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا} (الفرقان: 21) ؛ فدلت هذه التهويلات الفظيعة الواردة لطالبيها في الدنيا على
امتناعها فيها. وكما أخبر تعالى بأنه لا يرى في الدنيا فقد وعد الوعد الصادق عز وجل برؤيته في الدار الآخرة في آيات عديدة، كما تواترت الأحاديث الصحيحة بذلك، وهي قطعية الدلالة. لا ينبغي لمنصف أن يتمسك في مقابلها بتلك القواعد الكلامية التي جاء بها قدماء المعتزلة وزعموا أن العقل قد حكم بها. [2] أقول: إنها النزعة المادية في اليهود الذين لا يرون الروح في الوجود ولكنهم يؤمنون بالمادة والدنيوية والعالمانية secularism فيقتلون الروح فكرًا وعملا، على عكس النصارى الذين غلبت عليهم الروحانية الكاذبة المبالغ فيها فانتهوا إلى فصل الحياة عن الإسلام بين الروح والمادة في وسطيةٍ موزونة هو ما يجعله دواءًا شافيا لأدواء كل الملل التي انحرفت سواه ..
(1) تفسير المنار لرشيد رضا (1/ 264 - 267) باختصار.
(2) تفسير القاسمي = محاسن التأويل (1/ 308)