فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 604

مادة لزجة حلوة تشبه العسل، تقع على الحجر وورق الشجر مائعة، ثم تجمد وتجف فيجمعها الناس. وأما السلوى فقد فسروها بالسماني، وهو الطائر المعروف، فمعنى النزول يصح فيه على حقيقته أيضا. وظاهر أن قوله - تعالى

-: {كلوا من طيبات ما رزقناكم} مقدر فيه القول؛ أى قلنا لهم. وفي (سفر الخروج) أن بني إسرائيل أكلوا المن أربعين سنة وأن طعمه كالرقاق بالعسل، وكان لهم بدلا من الخبز، وليس المراد أنه لم يكن لهم أكل سواه إلا السلوى، فقد كان معهم المواشي، ولكنهم كانوا محرومين من النبات والبقول كما يعلم مما يأتي. وفي قوله - تعالى: {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} تقرير لقاعدة مهمة، وهي أن كل ما يطلبه الدين من العبد فهو لمنفعته، وكل ما ينهاه عنه فإنما

يقصد به دفع الضرر عنه، ولن يبلغ أحد نفع الله فينفعه، ولن يبلغ أحد ضره فيضره، كما ثبت في الحديث القدسي. فكل عمل ابن آدم له أو عليه {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} (البقرة 286) ا. ه [1] اليهود والتبديل والتحريف قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) } فقَوْله تَعَالَى: {وَإِذ قُلْنَا ادخُلُوا هَذِه الْقرْيَة} سميت الْقرْيَة قَرْيَة؛ لِأَنَّهَا تجمع أَهلهَا .. وَمِنْه

قَرْيَة النَّمْل؛ لِأَنَّهَا تجمع النَّمْل، وَالْمرَاد بالقرية هَاهُنَا الْبَيْت الْمُقَدّس. وَقيل: هِيَ أرِيحَا مَوضِع هُنَالك. {فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُم رغدا} وَمعنى الرغد هُوَ الرزق الْوَاسِع الَّذِي لَا يضيق وَلَا يتعب طَالبه. {وادخلوا الْبَاب سجدا} أَرَادَ بِالْبَابِ: بَاب الْقرْيَة. وَقيل: هُوَ بَاب حطة، وَهُوَ بَاب إيلياء (= القدس) . {سجدا} أَي: ركعا خضعا. وأصل السُّجُود الخضوع وَفِي

الرُّكُوع خضوع ..

{وَقُولُوا حطة} قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا: مَعْنَاهُ قُولُوا: حُطَّ عنا ذنوبنا ... {نغفر لكم} تقْرَأ بقراءتين:"نغفر لكم"بالنُّون، و"يغْفر لكم"بِالْيَاءِ وهما وَاحِد. وَهُوَ من الغَفْر، وَهُوَ السّتْر. وَمِنْه الْمَغْفِرَ؛ لِأَنَّهُ يستر الرَّأْس. كَذَلِك الْمَغْفِرَة تستر الذُّنُوب. {خطاياكم} جمع الْخَطِيئَة وَتجمع على الخطيئات أَيْضا، وَهِي الذُّنُوب.

يُقَال: خطئَ يُخطئ خطأ وخطيئة، إِذا أذْنب مُتَعَمدا. وَأَخْطَأ يُخطئ إخطاء إِذا أذْنب خاطئا. {وسنزيد الْمُحْسِنِينَ} من فضلنَا. (قلت: فَأَما المحسنون:

فَقَالُوا الَّذِي أمروا بِهِ، وَأما الَّذين عصوا: فَقَالُوا

قولا غير لَّذِي قِيلَ لَهُم، فأهل الطاعة هم المحسنون، وقال الراغب في تفسيره: وقد تقدم أن

(1) تفسير المنار (1/ 267 - 9)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت