فهرس الكتاب
والثاني: أن يريد ما يجوز فعله، لكن
وقع منه خلاف ما أراد فيقال: أصاب في الإرادة، وأخطأ في الفعل، وهو المعنى بقوله: عليه السلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) ، وقوله: (من اجتهد فأخطأ فله أجر) .. والثالث: أن يريد ما لا يحسن فعله ويحدث منه خلافه، فهذا مذموم لقصده، وغير محمود على فعله، والله أعلم بالنوايا (قلتُ: وهو ما ذكره تعالى في قوله: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(188) } (آل عمران: 188) قال تعالى بعدها:
{وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) } .. قَالَ قَتَادَة: كَانَ هَذَا وهم فِي الْبَريَّة، اشتكوا إِلَى مُوسَى الظمأ،
فسقوا من حجر كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام يحملهُ مَعَه من جبل الطُّور، فَكَانُوا إِذا نزلُوا ضربه مُوسَى بعصاه، فانفجرت مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا لكل سِبْطٍ عين. وَمعنى السبط فِي اللُّغَة: الْجَمَاعَة الَّذين يرجعُونَ إِلَى أَب وَاحِد. [1] والاستسقاء طلب السقي أو الإسقاء، فالسقي من الفعل (سقى) أن يجعل له ماء يشربه، والإسقاء من الفعل (أسقى) هو التعريض للماء، وجعله له ليتناوله متى أراد، فهو أخص
معنى من
السقي. [2] وفي سورة الأعراف آية: 160، في قوله تعالى: {فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا} «انبجست» ، وهو رشح
الماء، والانفجار خروجه بكثرة وغزارة لأنه انبجس ثم انفجر، كما قال في العصا إنها جان في قوله تعالى: وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ
{وَلا تَعْثَوْا} في اللغة (عاث وعثي) : أفسد أعظم الفساد، وقال تعالى {مُفْسِدِينَ} وهى
حال مبينة للفعل، إذ بعض الفساد في الظاهر وباطنه في الحقيقة
صلاح، كخرق الخضر السفينة وقتله الغلام (راجعه في قصة الخضر وموسى في سورة الكهف) . (
[3] فتأمل دقة القرآن البلاغية في أداء المعاني الخفية تلوح لك أنوار الإعجاز بهيةً زكية ..
(1) تفسير القرآن العزيز لابن أبي زمنين (1/ 144)
(2) تفسير الراغب الأصفهاني (1/ 206)
(3) إيجاز البيان عن معاني القرآن (1/ 100) للنيسابوري المتوفي 550 ه.