فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 604

ثم قال: على نحو:

{اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} فكأنه قيل: إن لم ترغبوا فيما اخترته لكم، وفيه خلاصكم، فشأنكم في قصد المكان

الذي لا يعدم فيه ما ترمونه، وذكر ثلاثة أحوال كل واحدة كالمعلول للأخرى، فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} أي حصلت لهم هذه العقوبة التي هي الذلة والمسكنة والغضب من أجل كفرهم بآيات الله

وقتلهم النبيين، وحصل لهم الكفر، وقتل النبيين بالعصيان والاعتداء، وذلك أنه كما أن الخيرات صغارها سبب لتحري كبارها، كذلك الشرور صغارها سبب لارتكاب كبارها، فبين أنهم لما عصوا وتعدوا، أدى ذلك بهم إلى الكفر وقتل الأنبياء، وأدى ذلك بهم إلى أن ألزموا الذلة والمسكنة، وغضب الله عليهم، وفيها تنبيه لنا أن من طلب لنفسه غيره ما أثره

الله

له، فقد خرج من التوكل بل قد تعدى فقد قال أهل الصفاء: (ومن لم يهتد بما يختاره الله له، لم يهتد بما يختاره لنفسه) ، ولهذا قال النبي في الدعاء:"اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة"

عين،". [1] ولاحظ الإيقاع البلاغي في التعبير ب"ضربت"في قوله تعالى {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمسكنة} وكأنها جعلت علامةً لازمةً لهم. كما قال الزمخشري: جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم، فهم فيها كما يكون في القبة من ضُرِبت عليه. أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب [2] ، كما يُضرب الطين على الحائط فيلزمه، فاليهود صاغرون"

أذلاء أهل مسكنة ومفقرة إما على الحقيقة، وإما لتصاغرهم وتفاقرهم، خيفة أن تُضاعف عليهم الجزية. وقوله {وَباءوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} هو من قولك: باء فلان بفلان، إذا كان حقيقًا بأن يقتل به، لمساواته له ومكافأته، أى صاروا أحقاء بغضبه. [3] تفسير الآيات [البقرة: 62 - 64] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى

وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ

(1) تفسير الراغب الأصفهاني (1/ 212)

(2) لزَبَ يَلزُب، لُزوبًا، فهو لازب، ولَزَبَ الشَّيْءُ: ثَبَتَ أَوِ اشْتَدَّ، لزَب الطِّينُ: لزِق وتماسك {إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لاَزِبٍ} : شديد متماسك الأجزاء.

(3) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 146)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت