فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 604

يبقى

السؤال حول التقديم والتأخير في الترتيب في آية المائدة قال، وآية البقرة فيها: {والنصارى والصابئين} . ففي المائدة قدّم ورفع"الصابئين"، بناءًا على أنه ذمّ النصارى في المائدة ذمًا فظيعًا على معتقداتهم، وتكلم على عقيدة التثليث، فجعلهم كأنهم لم يؤمنوا بالله ابتداءً، وكأنهم صنف من المشركين؛ ففيها قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (72) } ، وقال: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (74) } ، ولما كان الكلام على ذم العقائد عقيدة النصارى أخّر النصارى حتى تكون منزلتهم أقل، وقدّم الصابئين مع أنهم لا يستحقون. وفي البقرة لم يذم عقيدة النصارى في سياق الآيات؛ إذ لم يكونوا مقصودون به فوُضع الصابئين في موضعهم المنطقي في آخر المِلل. ثانيًا: هناك فرق بين الآيتين {فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} في آية سورة في سورة المائدة {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ، في الآيتين هم نفسهم (الذين آمنوا، الذين هادوا، النصارى، الصابئين) ، فما دلالة ما جاءت في سورة البقرة فلهم أجرهم عند

ربهم

ولم تأتِ في سورة المائدة؟. الجواب: أن في سورة في ذمّ عقائد اليهود والنصارى في سورة البقرة،

فالكلام عن اليهود فقط وليس النصارى. ولنتأمل الآيات في السورتين وكيف تحدثت عن اليهود: ففي سورة البقرة والتي كانت أول ما نزل في المدينة وفيها أول لقاء بين الرسول وأهل الكتاب، هنالك في السورة تجد السياق تذكير بنعمة الله وفضله على يهود والوعظ والأمل في عودتهم عن ضلالهم، فسياق الوعظ والترقيق في آيات البقرة يستصحبه الوعد بالأجر للمهتدين؛ ولذلك جاءت فلهم أجرهم عند

ربهم. على خلاف السياق في في أواخر ما نزل

في عمر دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة حين على دين الله الحق، فاسترسلت سورة المائدة في الدفاع عن عقيدة الحق وذم عقائد الضالين من يهود والنصارى، وفي هذا السياق القوى في الحق والعنيف على الشرك لا مجال هنا سوى للترغيب اللطيف مع ترهيب خفى في قوله تعالى: {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ؛ وكأنه يقول لهم لا نجاة من الخوف والحزن في الآخرة بغير تقوى الله والرجوع إلى سبيله. وفي هذا دروس تربوية للمنهج الدعوي المتدرج في نشر الحق والدفاع عنه والقوة والحكمة في بيانه حين يقتضي الأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت