فلا عجب كان الخطاب في القرآن كله إذن من هذه الركيزة التي يدَّعون أو وهموا نسبتهم إليها {بني إسرائيل} . والذي يدركه كل باحثٍ ومدققٍ في حياة الأمة اليهودية تمسكهم الشديد ب (تاريخانية الطرح والمنطلق) ، وأنَّ المنطلق التاريخي الذي خاطبهم به القرآن العظيم هو أساس دولتهم وسياستهم ومواقفهم على مر العصور.
وإن هذا المنطلق العقدي والتاريخي والأممي والأيدولوجي لليهود أو النصارى أو الشيعة أو غيرهم هو ما يحدد سياسات وتوجهات تلك الأمم وليس المنطلق العرقي الإنساني (= الأنثروبولوجي) .
وإن تحييد العقيدة والتاريخ والأممية من توجيه الفكر والسياسة وفهم المواقف هو إما جهلٌ قبيحٌ أو غرضٌ خبيثٌ من أجل (علمنة المواقف) في زمانٍ يدين فيه العالم أجمع بنظرية (صراع الحضارات clash of civilizations) ؛ وندين نحن بالهبل والسذاجة في الفهم والتوجه.
فالتاريخ يصنع أمة والأمة تتبني دينًا وعقيدةً لتجمع أبناءها ولو من كل جنسٍ مختلف. ويكون الانتماء الأول ههنا للعقيدة والتاريخ لا للجنس والعرق.
وذلك هو المزلق الذي استدرج به المستشرقون بعض باحثينا لتحييد العقيدة من الصراع.
ومنه لاتهام القرآن - عن طريقٍ خفي - بأنه تاريخاني قد مات في عصره وألَّا وجود لمعاني خطابه اليوم في زمن الحرية والإنسانية العامة (!!) .
وإن المتتبع لتاريخ العلاقات ما بين الغرب وشعوب الإسلام، يلاحظ حقدًا مريرًا يملأ صدر الغرب حتى درجة الجنون، يصاحب هذا الحقد خوف رهيب من الإسلام إلى أبعد نقطة في النفسية الأوروبية. هذا الحقد، وذلك الخوف، لا شأن لنا بهما إن كانا مجرد إحساس نفسي شخصي، أما إذا كانا من أهم العوامل التي تبلور مواقف الحضارة الغربية من الشعوب الإسلامية، سياسيًا، واقتصاديًا، وحتى هذه الساعة، فإن موقفنا يتغير بشكل حاسم.