فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 604

{لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ} أي المحرَّف. أو ما كتبوه من التأويلات الزائفة {بِأَيْدِيهِمْ} تأكيد لدفع توهم المجاز. كقولك: كتبته بيميني. بمعنى أنهم باشروا كتابته بأنفسهم؛ فقد يأمر المرء بكتابة شئٍ ويُنسب إليه ولا يكون مباشرًا لذلك بيده. كمَن يقول: باعني فلان عينُه كذا، أى باشر البيع بنفسه لا بتوكيل أحد. والفائدة هنا زيادة التاكيد على فجورهم إذ يكتبون الكتاب بأيديهم متعمدين تحريفه والكذب على الله تعالى. وهذا الموضع مما يحسن فيه التأكيد كما تقول لمن ينكر معرفة ما كتبه: يا هذا كتبته بيمينك.

قال الراغب: وفيها وجهٌ آخر، وهو أن الفعل ضربان: ابتداء، واقتداء، فيُقال فيما كان ابتداء: '' هذا مما عملته يدي فلان ''، فقوله: {مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} أي مما اخترعوه من تلقائهم، وليس ما أُملى عليهم فكتبوه، وعلى هذا قد يحمل قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} . [1]

وقد يقال في مثل هذا: إن فائدته تصوير الحالة في النفس كما وقعت حتى يكاد السامع لذلك أن يكون مشاهدا للهيئة {ثُمَّ يَقُولُونَ} لما كتبوه، كذبا وبهتانا {هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ} أي يأخذوا لأنفسهم بمقابلته {ثَمَنًا قَلِيلًا} أي عرضا من الدنيا يسيرا. ويجوز في الآية معنى آخر: اى هم الذين يكتبون كلام الله ويعلمون ما فيه من الحق ثم يحرفونه ليشتروا به عرضًا من أعراض الدنيا الحقيرة. وهنا يكون هناك محذوف تقديره {لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بأيديهم} ثم يحرفونه ويقولون هذا من عند الله ...

قال الرازي: أما قوله تعالى: {ليشتروا به ثمنا قليلا} فهو تنبيه على أمرين. الأول: أنه تنبيه على نهاية شقاوتهم لأن العاقل يجب أن لا يرضى بالوزر القليل في الآخرة لأجل الأجر

(1) تفسير الراغب الأصفهاني (1/ 240) بتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت