العظيم في الدنيا، فكيف يليق به أن يرضى بالعقاب العظيم في الآخرة لأجل النفع الحقير في الدنيا، الثاني: أنه يدل على أنهم ما فعلوا ذلك التحريف ديانةً؛ بل إنما فعلوه طلبا للمال والجاه، وهذا يدل على أن أخذ المال على الباطل وإن كان بالتراضي فهو محرم، لأن الذي كانوا يعطونه من المال كان على محبةٍ ورضا، ومع ذلك فقد نبَّه تعالى على تحريمه. [1]
{فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} أي: فشدّة العذاب لهم مما غيرت أيديهم {وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} يصيبون من الحرام والسحت.
قال الراغب: إن قيل: لم ذكر {يَكْسِبُونَ} بلفظ المستقبل و {كَتَبَتْ} بلفظ الماضي؟ قيل: تنبيها على ما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم «من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» «رواه مسلم» ، فنبَّه بالآية أن ما أضلّوه وأثبتوه من التأويلات الفاسدة، التي يعتمدها الجهلة، هو اكتساب وزر يكتسبونه باستمرار وكل وقتٍ ومع كل مَن يضله هذا الي صنعوه، فقد صنعوا عملية مستمرة من الضلال والإضلال عبر العصور.
و (إن قيل) لم ذكر الكتابة دون القول؟ (قيل) لمّا كانت الكتابة متضمنة للقول وزائدة عليه، إذ هو كذب باللسان واليد، صار أبلغ. ولأن كلام اليد يبقى رسمه وأثره في الهداية أو الإضلال، والقول ربما يضمحل أثره.
قال الأستاذ محمد عبده: من شاء أن يرى نسخة مما كان عليه أولئك اليهود، فلينظر فيما بين يديه، فإنه يراها واضحة جلية، يرى كتبا أُلفت في عقائد الدين وأحكامه حرفوا فيها مقاصده وحولوها إلى ما يغر الناس ويمنيهم ويفسد عليهم دينهم، ويقولون: هي من عند الله وما هي من عند الله، وإنما هي صادة عن النظر في كتاب الله والاهتداء به، ولا يعمل هذا إلا أحد رجلين: رجل مارق من الدين يتعمد إفساده ويتوخى إضلال أهله، فيلبس
(1) تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (3/ 565)