لباس الدين ويظهر بمظهر أهل الصلاح، يخادع بذلك الناس ليقبلوا ما يكتب ويقول، ورجل يتحرى التأويل ويستنبط الحيل ليسهل على الناس مخالفة الشريعة ابتغاء المال والجاه.
ثم ذكر الأستاذ وقائع، طابق فيها بين ما كان عليه اليهود من قبل، وما عليه المسلمون الآن، ذكر وقائع للقضاة والمأذونين، وللعلماء والواعظين، فسقوا فيها عن أمر ربهم، فمنهم من يتأول ويغتر بأنه يقصد نفع أمته، كما كان أحبار اليهود يفتون بأكل الربا أضعافا مضاعفة ليستغني شعب إسرائيل، ومنهم من يفعل ما يفعل عامدا عالما أنه مبطل، ولكن تغره أماني الشفاعات والمكفرات. انتهى [1]
يقصد ما يفعله مرجئة العلماء في هذه الأيام من الهروب من عقيدة الخوارج إلى عقيدة الإرجاء بكل ما فيها من تملص من تكاليف الدين ومتطلباته. ووالله إن أمثال هذه الآية لتصح في الروافض والخوارج والفرق الضالة من المسلمين الذين يحرفون كلام الله بتأويلهم الباطل، وكتبهم التي كتبوها وادعوا أنها الدين، حتى إنهم أصَّلوا أصولًا بديلةً عن التوحيد وجعلوا عليها الولاء والبراء، وقالوا زورًا {هذا من عند الله} .... (!!)
قال شيخ الإسلام لما ذكر هذه الآيات: فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وهو متناول لمن حمل الكتاب والسنة، على ما أصله من البدع الباطلة.
وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه، ومتناول لمن كتب كتابا بيده مخالفا لكتاب الله، لينال به دنيا وقال: إنه من عند الله، مثل أن يقول: هذا هو الشرع والدين، وهذا معنى الكتاب والسنة، وهذا معقول السلف والأئمة، وهذا هو أصول الدين، الذي يجب اعتقاده على الأعيان والكفاية، ومتناول لمن كتم ما عنده من الكتاب والسنة، لئلا يحتج به مخالفه في الحق الذي يقوله.
(1) تفسير المنار (1/ 299)