أما الآخرون المعتصمون بحبل الله المستمسكون بعروة الإيمان والتقوى ? فقد ظفروا وعمروا:"وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا و أوحينا إليهم فعل الخيرات و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و كانوا لنا عابدين."
إلا أن البشر كثيرا ما ينجحون في امتحانات البأساء والضراء حتى إذا وسع الله عليهم وغمرتهم نعماؤه ? لم يحسنوا اجتياز الاختبار الجديد. وما أكثر الذين حولتهم السلطة إلى جبابرة متسلطين ? وحولتهم الثروة إلى طغاة مستكبرين .. وكان من المنتظر من بنى إسرائيل أن يستغلوا تمكين الله لهم في نصرة دينه وإسعاد عباده ? إلا أنهم سرعان ما فتكت بهم جراثيم السطوة والثروة فلم يفلتوا من الجزاء المعد لأمثالهم": سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب".
وقد بيَّن الله للمسلمين مراحل هذا التبديل لنعمة الله ? وأوضح مظاهره في أخلاق القوم ومسالكهم ? وما فعل جل شأنه ذلك إلا ليتجنب المسلمون المزالق التى هوت بغيرهم، فإن الأمم لا تنكب جزافا ? ولا تساق إليها المصائب خبط عشواء ? ولكنها قوانين الله التى يخضع لها الأولون والآخرون ولا تقبل فيها شفاعة ? ولا يقف حكمها استثناء. إن الله نحى أبناء إسرائيل عن المنصب الذى لم يقدروه قدره ? واستقدم العرب ليقودوا الإنسانية حيث عجز أبناء عمومتهم .. والغريب أن التوجيه الذي قيل لهؤلاء قيل لأولئك على تباعد الزمان بين الفريقين.
ففي لذعةٍ من لذعات الألم صرخ بنو إسرائيل بنبيهم موسى قائلين": ... أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون."
ترى أإذا تحررتم وسدتم تحسنون وتعدلون؟ أم ترتكبون الآثام وتستحلون المحارم؟ وبعد أعصارٍ طوال جيء بالأمة الإسلامية بعد إقصاء بنى إسرائيل الذين أساءوا