فهرس الكتاب

الصفحة 471 من 604

قال الراغب رحمه الله: والآية منطوية على أمرين: ذم اليهود في تحري السحر وإيثاره وتبرئة لسليمان -عليه السلام -مما نسبوه إليه، فذكر الله تعالى أن بعض اليهود اتبعوا ما تخرص الشياطين على ملك سليمان، ونزه سليمان عن الكفر وما نسب إليه من السحر، وذكر أن الشياطين هم المستحقون لذلك. انتهى

{وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} معطوف على السحر، أى: يعلمون الناس السحر ويعلمونهم ما أُنزل على الملكين. وقيل: هو معطوف على ما تتلو، أى: اتبعوا ما تتلو الشياطين، واتبعوا ما أُنزل على الملكين ببابل {هارُوتَ وَمارُوتَ} عطف بيانٍ للمَلَكين تعريفٌ لهما.

وقرأ الحسن (على الملِكين) بكسر اللام، على أنّ المنزل عليهما علم السحر كانا ملِكين ببابل.

وقوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ} اختلف أهل التفسير والمعاني فِي تعليم الملكين السحر.

فذكروا فِيهِ وجهين: أنهما كانا لا يتعمدان تعليم السحر، ولكنهما يصفانه، ويذكران بطلانه، ويأمران باجتنابه، واستعمل التعليم بمعنى الإخبار والوصف والإعلام. ويرى أصحاب هذا الرأي أن تعلم السحر في ذاته ليس بكفرٍ وإنما هو الإيمان به والاعتقاد فيه على تغيير الأقدار والتأثير في الحادثات؛ فهذا هو الكفر. فمن تعلمه منهم وعمل به كان كافرًا، ومن تجنبه أو تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه ولئلا يغتر به كان مؤمنا، ومنه قول أبو نواس الشاعر:

عرفت الشر لا للشر ... لكن لتوقيه.

فمن لا يعرف الشر ... من الناس يقع فيه.

وأرى في هذا الرأي ثير تكلف، فمن العلم القبيح، وما يضر ولا ينفع، ولا مأمن لتعلمه مع كثير شروره، ومنه السحر، وعلم التنجيم، وعلوم الفلسفة المتعمقة.

الوجه الثاني: أن الله عز وجل امتحن الناس بالملكين فِي ذلك الوقت، وجعل المحنة فِي الكفر والإيمان بمجرد أن يقبل تعليم السحر، فيكفر بتعلمه، ولله تعالى أن يمتحن عباده بما يشاء، كما امتحن بنهر طالوت فِي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ... الآية}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت