فهرس الكتاب
والقول الثاني: رفع اللفظ والحكم (وهو هنا على معنى أن النسخ = الإزالة بغير بدل) . قاله السُدِّى.
والثالث: ورفع لفظ آية وبقاء حكمها، كآية الرجم المزعومة.
أقول: ولا يتفق هذان القولان مع معنى الإنساء في {ننسِها} أي ننسك يا محمد إياها، لأنها في نفس معنى الرفع من القلوب ولا يحسن في البلاغة التكرار، وكذلك لا يتفق مع معنى الإبدال الصريح في قوله تعالى: {نأت بخير منها أو مثلها} ، فإن هناك إبدالًا سواء للمنسوخة أو المنساة، ولأن المرفوعة لفظا وحكما لا تعد آية من كتاب الله أصلًا فكيف يأتي بخيرٍ منها أو مثلها، وخصوصا أن الحديث عن إبدال آيةٍ مكان آيةٍ كما قال تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ .... الآية} (النحل 101) ، فتأمل.
وعلى وفق هذا التقسيم درج علماء الفقه وأصوله وهو: نسخ الحكم والتلاوة كليهما، أو نسخ الحكم وبقاء التلاوة، أو نسخ التلاوة وبقاء الحكم. وهذا من حيث (جواز الوقوع) لا من حيث (وقوعه في ذاته) .
وقد ذكروا في الآيات التي نسخ لفظها مع بقاء حكمها كآية الرجم، وفي إحدى الآثار سورة بأكملها، وفي غيرها أن سورة الأحزاب كانت في مثل طول سورة البقرة، وفي أخرى آيات أخبار نُسخت من مثل:"لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثا". وبأقل تأملٍ في هذه الآثار نقف على ضعف في أسانيدها، واضطراب في متونها، وأحسنها حالا حديث آحادٍ لا يحكم على تواتر ما بين دفتى المصحف من كلام الله تعالى بالنسخ أو بغيره، هو أشبه بشاذ القراءات بل دونها.
كل ذلك مما حدا بنا إلى اعتماد القول الأول في معنى النسخ هنا مع ترجيحه من قِبل النسق والنظم والسياق.
وقرأ ابن عامر (من القراء العشرة) : «ما نُنْسِخ» بضم النون، وكسر السين. قال أبو علي الفارسي أي: ما نجده منسوخًا كقولك: أحمدت فلانًا، أي: وجدته محمودًا، وإنما يجده منسوخًا بنسخه إياه (قلتُ: فيعود تفسير هذه القراءة إلى ما ذكر من معنى القراءة بفتح النون) . [1]
وقد أنكر قومٌ من أهل العربية هذه القراءة وتوجيهها.
وتأمل بعدُ -مشكورا -ما قال أبو علي الفارسي ونقله الواحدي؛ قال: ولم يثبت بتسمية النسخ ومعناه رواية نعلمها عن العرب، ولا سماع، ولا قياس، وإن المفسرين قالوا فيه على طريق التقريب. الذي يدل على هذا: أن الفراء قال: النسخ: أن يعمل بالآية ثم تنزل أخرى فيعمل بها، وتترك الأولى. [2]
(1) راجع مشكورا زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (1/ 98) .
(2) التفسير البسيط للواحدي (3/ 225) ، وأبو علي الفارسي (288 - 377 ه/900 - 987 م) هو نحويُ وعالم بالعربية وكلامه هنا ملخصًا من"الحجة"2/ 184 - 186.