فهرس الكتاب

الصفحة 505 من 604

(3) ثم نقف عند قوله تعالى: {أَوْ نُنْسِها} واتساقه مع نسق النسخ قبله.

وقد ذكرنا قراءتيها:

فقد قرأ ابن كثير وأبو عمرو (من العشرة) : «ننسأها» بفتح النون مع الهمزة، والمعنى: نؤخرها. قال أبو زيد: نسأتُ الإبل عن الحوض، فأنا أنسؤها نَسْأً، إذا أخَّرْتَها عنه، ونسأت الإبل: إذا زدتَ في ظمئها يومًا أو يومين أو أكثر، وأنسأته الدين إنساءً: إذا أخرت قضاءه عنه. واسم ذلك: النسيئة، ومعنى التأخير في الآية على ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يؤخر التنزيل فلا يُنزَّل ألبتَّة، ولا يُعْلَم، ولا يُعْمَل به، ولا يُتلى، والمعنى على هذا: ما نؤخر إنزالها فلا ننزِلُها.

الوجه الثاني: أن ينزلَ القرآن فيُعمل به ويُتلى، ثم يؤخر بعد ذلك، بأن يُنْسخ فترفع تلاوته ألبتّة، فلا يُتلى ولا يُعمل بتأويله (قلت-متأمله: وهذا يعود على معنى النسخ) .

والوجهُ الثالث: أن يؤخر العملُ بالتأويل؛ لأنه نسخ، ويترك خَطه مُثبتًا وتلاوته في أن يُتلى قُرآن. وهو ما حكي عن مجاهد في قوله: (أو ننساها) قال: نُثْبت خطها ونُبَدّل حكمها.

قال الواحدي: ولا يصح في معنى الآية من هذه الأوجه إلا الأول؛ لأن الثاني والثالث يرجع تأويلهما إلى النسخ، ولا يَحسُن في التقدير: ما نَنْسَخْ من آية أو نَنْسَخْها. [1]

وللإمام الحرالي-رحمه الله-قول جدير بالتأمل: أن النسيء في {ننسأها} بالهمز تأخيرٌ عن وقتٍ إلى وقت، ومن أمثله ذلك المقاتلة للعدو عند وجدان المنعة والقوة، والمهادنة عند الضعف عن المقاومة، وكذلك كل ما من شأنه أن يمتنع في وقتٍ ما لمعنى مّا ثم يعود في وقتٍ آخر لزوال ذلك المعنى فهو من المُنسَأ الذي أهمل علمه أكثر الناظرين، وربما أضافوا أكثره إلى نمط النسخ لخفاء الفرق بينهما؛ فتدبر تجده عجبا.

(1) التفسير البسيط للواحدي (3/ 225)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت