فهرس الكتاب

الصفحة 506 من 604

وحاصله أن مدلول النسيء هو تأخير الإباحة أو الحرمة من وقتٍ إلى وقتٍ آخر كما في زواج المتعة الذي أبيح وقتا قصيرا ثم حُرِّم، ونحو ذلك. وهو على ما كانت العرب تتعارفه كما سيأتي تحريره في سورة براءة عند {إنما النسيء زيادة في الكفر} (التوبة: 37) . انتهى. [1]

أقول-متأمله: أن القول عندي في معنى (ننسأها) وهو معنى التأخير، إما ينصرف إلى تأخير نسخ الآية فيتعلق المعنى بالعطف على معنى النسخ، فيكون: ما نبدل من حكم آية بالنسخ أو نؤخر نسخها بأن نتركها عاملة غير منسوخةٍ فكل ذلك بقدرة الله وأمره. أو يكون التأخير هنا هو تأخير بيان وحكمة العمل الآية إلى وقتها ويكون المعنى: ما ننسخ من آيةٍ فنزيل حكمها بالكلية، أو نؤخر العمل بذلك الحكم إلى وقته فبقدرة الله وعلمه. فتأمل السياق تجده متسقا مع ذلك والله أعلم.

قال أبو جعفر الطبري رحمه الله: وقرأها أهل المدينة والكوفة: {أَوْ نُنْسِهَا} . ولقراءة من قرأ ذلك وجهان من التأويل.

أحدهما: أن يكون تأويله: ما ننسخ يا محمد من آيٍة فنغير حكمها أو ننسك إياها. وقد ذكر أنها في مصحف عبد الله: (ما نُنسكَ من آية أو ننسخها نجيء بمثلها) ، فذلك تأويل:"النسيان". وكذلك كان سعد بن أبي وقاص يتأول الآية، إلا أنه كان يقرؤها: (أو تَنسها) بمعنى الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه عنى أو تنسها أنت يا محمد.

والوجه الآخر منهما، أن يكون بمعنى"الترك"، من قول الله جل ثناؤه: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) (التوبة: 67) ، يعني به: تركوا الله فتركهم. فيكون تأويل الآية حينئذ على هذا التأويل: ما ننسخ من آية فنغير حكمها ونبدل فرضها، أو نتركها لا نبدلها؛ نأت بخير من التي نسخناها أو مثلها. [2]

قلتُ: وهذا التأويل يعود على معنى النسيئة في قراءة {ننسأها} أي نؤخرها ونتركها بغير نسخ. ويعود الضميران على الآية تُنسخ أو تُؤخر ويُؤتَى بخيرٍ من المنسوخة أو مثلها.

قال الطبري مرجِّحا ما ملخصه: وأولى القراءات في قوله: (أو ننسها) بالصواب، من قرأ: (أو نُنْسِها) بمعنى: نتركها. فالذي هو أولى بالآية، أن يكون - أخبر سبحانه بصنيعه إذا هو غيَّر وبدل حكم آية وأعقب ذلك

(1) راجع نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (2/ 92) بتصرف.

(2) تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (2/ 473)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت