فهرس الكتاب
بالخبر عما إذا لم يبدل ذلك ولم يغيِّر. فصحَّ في المعنى أن يكون عقيب قوله تعالى: (ما ننسخ من آية) . قوله: أو نترك نسخها، وكان ذلك المعروف الجاري في كلام الناس. فهو يشتمل على معنى"الإنساء"الذي هو بمعنى الترك، ومعنى"النَّساء"الذي هو بمعنى التأخير. فكل متروكٍ مؤخَّر على حال ما هو متروك. [1]
قلتُ: ومنه قوله -تعالى: {كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} (طه 126) أي تركتها بترك العمل بها، فجزاؤك أن تترك في العذاب فهذه لطيفة في الاستعمال اللغوي القرآني لمعنى النسيان، فتأمل.
ثم قال الطبري رحمه الله: وقد أنكر قومٌ من العلماء معنى النسيان في قراءة من قرأ: (أو نَنْسها) ، وقالوا: غير جائز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نسي من القرآن شيئا مما لم يُنسَخ، إلا أن يكون نسي منه شيئا، ثم ذكره. قالوا: وبعدُ، فإنه لو نسي منه شيئا لم يكن يجوز أن ينسى جميع الذين قرأوه وحفظوه من أصحابه. قالوا: وفي قول الله جل ثناؤه: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) (الإسراء: 86) ، ما ينبئ عن أن الله تعالى لم يذهب بشيءٍ منه.
قلتُ-الباحث: واستدلوا كذلك بقوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} (الأعلى: 6، 7) . وقد رد الطبري على ذلك، ثم قال: فأما نحن، فإنما اخترنا ما اخترنا من التأويل طلب اتساق الكلام على نظام في المعنى، لا إنكار أن يكون الله تعالى ذكره قد كان أنسى نبيه بعض ما نسخ من وحيه إليه وتنزيله.
أقولُ: فأما النسيان الذي هو آفة في البشر فالنبي صلى الله عليه وسلم معصومٌ منه قبل التبليغ وبعد التبليغ ما لم يحفظه أحد من أصحابه، وأما بعد أن يُحفظ فجائزٌ عليه ما يجوز على البشر لأنه قد بلَّغ وأدى الأمانة، ومنه الحديث الذي رواه أحمد في مسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي الْفَجْرِ فَتَرَكَ آيَةً، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ:"أَفِي الْقَوْمِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ؟"قَالَ أُبَيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ نُسِخَتْ آيَةُ كَذَا وَكَذَا، أَوْ نُسِّيتَهَا؟ قَالَ:"نُسِّيتُهَا"). [2]
(1) قال الزجاج: إن القراءة «أو ننسها» بضم النون وسكون الثانية وكسر السين لا يتوجه فيها معنى الترك لأنه لا يُقال أنسى بمعنى ترك، ورد عليه قال أبو علي وغيره: بل ذلك متجه لأنه بمعنى نجعلك تتركها. قلتُ: وهو على معنى ما رواه ابن عباس وغيره (ننسها) بمعنى (ننسكها) أي ننسك إياها. ويترجح لذلك عندي اختيار العلامة ابن جرير الطبري.
(2) قال محققو المسند طبعة الرسالة (24/ 80) : إسناده صحيح على شرط الشيخين. سفيان: هو الثوري. وذر: هو ابن عبد الله المُرْهبي الهَمْداني. وأخرجه النسائي في"الكبرى" (8240) من طريق يحيى بن سعيد، بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري في"القراءة خلف الإمام" (193) من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان، به. ... وقد أورده الهيثمي في"مجمع الزوائد"2/ 69، وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجاله رجال الصحيح.
قال السندي: قوله: قال أُبي: يا رسول الله ... الخ: فهم أُبيٌّ أن مراده بما قال: هو أن يعرف أن أُبيًا متنبه لذلك أم لا، فأجاب بأنه متنبه.