فهرس الكتاب

الصفحة 508 من 604

ورأيت للشيخ محمد عبده في ذلك كلاما حسنا قال فيه:

وأما قوله -تعالى: {سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله} (الأعلى 6، 7) فهو يؤكد عدم النسيان؛ لأن الاستثناء بالمشيئة قد استعمل في أسلوب القرآن للدلالة على الثبوت والاستمرار، كما في قوله -تعالى: {خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ} (11: 108) أي غير مقطوع. وقوله: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} (7: 188) . والنكتة في الاستثناء بيان أن هذه الأمور الثابتة الدائمة إنما كانت كذلك بمشيئة الله -تعالى -لا بطبيعتها في نفسها، ولو شاء الله -تعالى -أن يغيرها لفعل، وهذا الاعتقاد من مهمات الدين، فلا غرو أن تزاح عنه الأوهام في كل مقام يمكن أن تعرض فيه، فليس امتناع نسيان الوحي طبيعة لازمة للنبي، وإنما هو تأييد ومنحة من الله -تعالى -، وليس خلود أهل الجنة في الجنة واجب عقلي أو طبيعي، وإنما هو بإرادة الله -تعالى -ومشيئته. انتهى [1]

وقال الحرالي ما ملخصه: وأما النسيان والتنسية على قراءة {ننسها} فمعناه أخفى من النسيء، وهو ما يظهره الله من الدلالات البيّنات على سبيل إدخال النسيان على رسول الله صلوات الله عليه وصحبه وقت التنزيل. وذلك كالسنن التي أبداها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن تنسيته كما ورد من قوله:"إني لأُنَسَّى لأسُنَّ". وقال عليه الصلاة والسلام في إفصاح القول فيه: «بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت، بل هو نُسي» ومنه قيامه من اثنتين وسلامه من اثنتين - في حديث ذي اليدين-حتى أظهر الله سنة ذلك لأمته، وكانت تلك الصلاة بسهوها ليست بدونها من غير سهو بل هي مثلها أو خير؛ إذ شرع بعدها التخفيف، فتأمل.

ومن نحو ذلك منامه عن صلاة الصبح حتى أظهر الله توقيت الصلاة بالذكر كما كان قد أظهرها بالوقت الزماني، فصار لها وقتان: وقت يراها بالعيان بمدارها مع الشمس، ووقت يجدها فيه بمدارها مع الذكر، حيث قال عليه الصلاة وإسلام: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» [2] ولصحة وقوعها للوقتين كانت

(1) تفسير المنار (1/ 345)

(2) ففي سنن أبي داود (1/ 118) بسند صحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ فَسَارَ لَيْلَةً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَنَا الْكَرَى عَرَّسَ، وَقَال لِبِلَالٍ: «اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ» قَالَ: فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ [ص:119] فَلَمْ يَسْتَيْقِظِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى إِذَا ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا، فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا بِلَالُ» ، فَقَالَ: أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ ِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا ثُمَّ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ لَهُمُ الصَّلَاةَ وَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ:"مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: «أَقِمِ الصَّلَاةَ لِلذِّكْرَى» ، قَالَ يُونُسُ: وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ، قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ عَنْبَسَةُ: يَعْنِي عَنْ يُونُسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «لِذِكْرِي» ، قَالَ أَحْمَدُ: الْكَرَى النُّعَاسُ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت