ففي فصلٍ عجيبٍ جدا يتحدث السيوطي ناقلا عن الزركشي في مناسبة الحروف المقطعة في أوائل السور مع السور التي افتتحت بها يقول:
قَالَ الزركشي فِي الْبُرْهَانِ: وَمِنْ ذَلِكَ افْتِتَاحُ السُّوَرِ بِالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ، وَاخْتِصَاصُ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِمَا بُدِئَتْ بِهِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لِتَرِدَ"الم"فِي مَوْضِعِ"الر"، وَلَا"حم"فِي مَوْضِعِ"طس"..
قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ سُورَةٍ بُدِئَتْ بِحَرْفٍ مِنْهَا، فَإِنَّ أَكْثَرَ كَلِمَاتِهَا وَحُرُوفِهَا مُمَاثِلٌ لَهُ ..
فَحَقَّ لِكُلِّ سُورَةٍ منها ألا يُنَاسِبَهَا غَيْرُ الْوَارِدَةِ فِيهَا .. فَلَوْ وُضِعَ"ق"مَوْضِعَ"ن"لِعُدِمَ التَّنَاسُبُ الْوَاجِبُ مُرَاعَاتُهُ فِي كَلَامِ اللَّهِ .. وَسُورَةُ"ق"بُدِئَتْ بِهِ لَمَّا تَكَرَّرَ فِيهَا مِنَ الْكَلِمَاتِ بِلَفْظِ الْقَافِ مِنْ (ذِكْرِ الْقُرْآنِ، وَالْخَلْقِ، تَكْرِيرِ الْقَوْلِ وَمُرَاجَعَتِهِ مِرَارًا، وَالْقُرْبِ مِنَ ابْنِ آدَمَ، وَتَلَقِّي الْمَلَكَيْنِ وَقَوْلِ الْعَتِيدِ وَالرَّقِيبِ وَالسَّائِقِ، وَالْإِلْقَاءِ فِي جَهَنَّمَ، وَالتَّقَدُّمِ بِالْوَعْدِ، وَذِكْرِ الْمُتَّقِينَ، وَالْقَلْبِ وَالْقُرُونِ، وَالتَّنْقِيبِ فِي الْبِلَادِ، وَتَشَقِّقِ الْأَرْضِ، وَحُقُوقِ الْوَعِيدِ .. وَغَيْرِ ذَلِكَ)
وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي سُورَةِ يُونُسَ مِنَ الْكَلِمِ الْوَاقِعِ فِيهَا"الرَّاءُ"مِائَتَا كَلِمَةٍ أَوْ أَكْثَرُ فَلِهَذَا افْتُتِحَتْ بِ"الر"..
وَاشْتَمَلَتْ سُورَةُ"ص"عَلَى خُصُومَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَأَوَّلُهَا خُصُومَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْكُفَّارِ وَقَوْلُهُمْ: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} ، ثُمَّ اخْتِصَامُ الْخَصْمَيْنِ عِنْدَ دَاوُدَ، ثُمَّ تُخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ اخْتِصَامُ الْمَلَأِ الْأَعْلَى، ثُمَّ تُخَاصُمُ إِبْلِيسَ فِي شَأْنِ آدَمَ ثُمَّ فِي شَأْنِ بَنِيهِ وَإِغْوَائِهِمْ .. فلذلك كثر فيها حرف الصاد ..
وَ"الم"جَمَعَتِ الْمَخَارِجَ الثَّلَاثَةَ الْحَلْقَ وَاللِّسَانَ وَالشَّفَتَيْنِ عَلَى تَرْتِيبِهَا .. وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى الْبِدَايَةِ الَّتِي هِيَ بَدْءُ الْخَلْقِ، وَالنِّهَايَةِ الَّتِي هِيَ بَدْءُ الْمِيعَادِ، وَالْوَسَطِ الَّذِي هُوَ الْمَعَاشُ مِنَ التَّشْرِيعِ بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي .. وَكُلُّ سُورَةٍ افْتُتِحَتْ بِهَا فَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ .. ] ا. ه.