على عباده، ولجلال عظمة الله، و علو كبريائه، و ارتفاع مجده، و قد قال أفضل القائمين بحقِّ الله، وأكملهم، محمد -صلَّى الله عليه وآله وسلَّم- في دعائه، اعترافًا بالعجز عن القيام بإحصاء الثناء على الله: (( أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) ). وقد بلغنا أن لله ملائكة لم يزالوا منذ خلقهم الله في ركوع وسجود، وتسبيح وتقديس، لا يفترون عنه، ولا يشتغلون بغيره، فإذا كان يوم القيامة يقولون: (( سبحانك ولك الحمد. ما عرفناك حق معرفتك و لا عبدناك حقَّ عبادتك ) ).
وقد قال بعض العلماء: إن قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) [ال عمران:102] ، منسوخ بقوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن:16] .
وقال بعضهم: الآية الثانية مبيِّنةٌ للمراد من الآية الأولى لا ناسخةٌ لها، وهذا هو الصواب إن شاء الله تعالى، فإن الله تعالى - وله الحمد - لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وإن كان له ذلك لو أراده وأمر به، لأن له أن يفعل في ملكه وسلطانه ما شاء؛ ولكنه سبحانه قد خفَّف ويسَّر، كما قال تعالى: (يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا) [النساء:28] .
(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة:185/ 2] .
قال الأمام الغزالي رحمه الله في (( الإحياء ) )- وقد ورد في الصحيح: لما نزل قوله تعالى: (لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ) [البقرة:284/ 2] .
شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، فجاء وا إليه وقالوا: يا رسول الله، كُلِّفنا ما لا نطيق! وفهموا من الآية المؤاخذة والمحاسبة حتى على حديث النفس، فقال لهم عليه لسلام: (( أتريدون أن تقولوا كما قالت بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا! ولكن قولوا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير ) ).