ولأداء الفرائض والنوافل، والتهجد والقيام، والتحصيل والتعليم، والمطالعة والتأليف، مع ترك الأشغال اليومية، والأعمال الدنيوية، والرضا بالعيش الخشن، والذون من الطعام والشراب واللباس والمسكن ... ، حرصا على التفرغ للعلم، وعلى كسب الوقت فيه، لأن العلم عندهم أعز مطلوب وأعظم مرغوب (1)
وبهذا الإنتاج العلمي الذي خلفوه بحفظهم لأوقاتهم بجني الواحد منهم عمرة ثانية بذكر الناس له بعد مماته، وبمداومة المثوبة من الله طالما انتفع الخلق بعلومهم، وفي ذلك اغتنام للأيام في الدنيا لتحصيل الأجر بعد الموت، كما جاء في الحديث الشريف: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (2) وكان دعاء إبراهيم: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) (3) ، ويقول أحمد شوقي في ذلك:
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها ... فالذكر للإنسان عمر ثان
بالمقابل نجد إنسانا يعمر أكثر من مائة سنة، ولكن رصيده من العمل والإنتاج ونفع العباد قليل، وقد يموت آخر شابة، ولكن رصيده في سنينه القلائل بعد سن التكليف حافل عامر بجلائل الأعمال، يقول صاحب الحكم العطائية: از عمر اتسعت آماده وقلت أمداده، ورب عمر قليلة آماده كثيرة أمداده» (4) . فحري بنا أن تتخذ تلك النماذج من أبناء أمتنا أسوة حسنة في المحافظة على الوقت، حيث إنهم بشر مثلنا، لم يصلوا لذلك
(1) عبد الفتاح أبو غدة، صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل، حلب،
مكتبة المطبوعات الإسلامية، الطبعة الرابعة، ص 374
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الوصية، باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد
وفاته، حديث رقم 1931 ء
(3) سورة الشعراء: الآية 84
(4) ابن عطاء الإسكندري، الحكم العطائية، دمشق، وزارة الإعلام السورية، الطبعة
الثانية، 1405 ه. 1980 م، الحكمة 8 رقم 259، ص 74