يجعلها تمر بعهد من الانحطاط الحضاري (1)
وإنني أرى أن ذلك الاستعمار الفكري أضر من الاستعمار العسكري في غالب الأمر، ولا ريب أن ما خلفه الاستعمار في بلاد المسلمين له الأثر الأعظم في التآمر على عقيدة المسلمين وتراثهم.
في كتابه «من أجل التغييرا، يشير مالك بن نبي إلى هذه التركة الاستعمارية التي يخلفها الاستعمار وراءه، فيقول: إننا بسطاء جدا لو ظننا يوما ما أن الاستعمار عندما بعد حقائبه ويرحل عن بل يستعمره، يترك المكان وراءه وبكل بساطة نقية سليمة، ويمضي في حديثه عن وظيفة
الطابور الخامس» الذي خلفه وراءه، والذي بدوره يعيد سيطرة الاستعمار بطريقة غير مباشرة، وإن ما أبقاه الاستعمار بشكل غير منظم، سرعان ما يقوم هذا الطابور بتنظيمه، متحرك ليصبح أخطبوطة متعدد الأرجل، يملك أرجلا محلية، ورأسا مفكرة في الخارج (2)
لذلك يستنتج مالك بن نبي (3) فيقول: إن العالم الإسلامي لم يستعد بعد إطاره الطبيعي، وإنه يتصف بالجمود والخمول والضعف والقابلية للاستعمار بسبب افتنائه بأيديولوجيات مستوردة بديلة لمنهجه الأصيل، افالعالم الإسلامي اليوم تتقاذفه أفكار متناقضة: الأفكار التي تضعه وجها الوجه مع مشكلات الحضارة التقنية دون أن تؤصله نماذجة السلفية، رغم
جهود مصلحيه المشكورة، وبدافع الافتتان، أو بسائق منزلفات وضعت تحت قدميه، فهو معرض لخطر الانجراف في الإيديولوجيات الحديثة، في الوقت الذي بدأ يكتمل إفلاسها في الغرب حيث ولدت (4) بينما نرى
(1) أحمد قائد بركات، التخلف ... لماذا؟ والتقدم ... لم لا؟، مرجع سابق، ص 94 - 97
(2) مالك بن نبي، من أجل التغيير، دمشق، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1990 م، ص 56 - 57.
(3) كتاب مشكلة الأفكار كان عبارة عن مجموعة مقالات كتبت في الستينات، لكنها لا لا تزال مناسبة لعالمنا المعاصر.
(4) مالك بن نبي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ترجمة بسام بركة وأحمد شعبو
دمشق، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1413 ه - 1992 م، ص 109 - 195