مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20 (1.
يقول سيد قطب معلقا على هذه الآية: (فالذين لا يتطلعون إلى أبعد من هذه الأرض يتوحلون بوحلها ودنسها ورجسها، ويستمتعون فيها کالأنعام، ويستسلمون فيها للشهوات والترعات، ويرتكبون في سبيل تحصيل اللذة الأرضية ما يؤدي بهم إلى جهنم(2)
بخلاف المؤمن الذي علم أن الدنيا شأنها قليل فأعد للآخرة، كما قال رجل السفيان الثوري: «أعمل للدنيا بقدر بقائك فيها وأعمل للآخرة بقدر دوامك فيها والسلام (3) وعلم أنه لن يؤثر في مصيره يوم القيامة ما كان رصيده في حسابه البنكي، ونوعية السيارة التي قادها، وحجم البيت الذي سكنه في الدنيا، فلم يجعل ذلك أعظم همه خلال حياته فيها.
فهؤلاء الذين استبدلوا الآخرة بالدنيا، ونسوا ما خلقهم الله من أجله، يعطيهم الله ما يريدون من هذه الدنيا فيها، ثم يكون مصيرهم ذلة ومهانة في الآخرة، يقول الإمام الرازي في مصير طلاب الدنيا من الفريق الأول: «إن العقاب عبارة عن مضرة مقرونة بالإهانة والذم بشرط أن تكون دائمة وخالية عن شوب المنفعة، فقوله: نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا إشارة إلى المضرة العظيمة، وقوله مَذْمُومًا هومام إشارة إلى الإهانة والذم، وقوله: مَدْحُورًا إشارة إلى البعد والطرد من رحمة الله، وهي تفيد كون تلك المضرة خالية عن شوب النفع والرحمة، وتفيد كونها دائمة وخالية عن التبدل بالراحة والخلاص» (4) .
(1) سورة الإسراء: الآيات 18 - 20.
(2) سيد قطب، في ظلال القرآن، بيروت، دار الشروق، الطبعة السابعة عشرة، 1412 ه.
1992 م، ج 4 ص 2218
(3) ابن خلکان، وفيات الأعيان، مرجع سابق، ج 1 ص 287
(4) الرازي، التفسير الكبير، مرجع سابق، ج 20 ص 178,