فهرس الكتاب

الصفحة 496 من 580

بمراحل التقدم الروحي، مما نجم عنه الفساد الاجتماعي، فنرى أن الاستجابة لمتطلبات الحياة المادية في المجتمعات الحضرية المتطورة من طعام وشراب وحب المال وما إليها من إشباع الشهوات الغريزية النابعة من الحيوان الكامن في أصل الإنسان يطغى على القيم الداعية إلى الرضي والتوشط والإيثار والعدل النابعة من إنسانية الإنسان، لذا جاء منهج الله ليصحح هذا الغلو في طغيان المادة على الروح (1)

وإن حاضر المدنية اليوم فيه انفصام كبير بين دين الله ودنيا البشر، وإن استفحال التحضر جلب معه الأنانية وحب الذات والتضحية بكل القيم في سبيل المادة وشهوات النفس، خلاف ذلك كان حال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن قصر أحدهم كان تقصيره في حق نفسه، ژوي عن أبي جحيفة رضي الله عنه و قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء رضي الله عنه، فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فقال: كل، فإني صائم. قال سلمان: ما أنا بأكل حتى تأكل، فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم الليل، قال سلمان: نم، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال: نم. فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا. فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق سلمان (2) . وكان الجيل الأول لا ينالون من الدنيا إلا الضروري الذي يعينهم على حياتهم، مهتدين بالرسول صلى الله عليه وسلم لا حيث قال: (من أصبح آمنة في سربه، معافي في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا(3) .

عندما ترتكز حياتنا على رسالة متضمنة للقيم وللأولويات الحياتية

(1) المرجع السابق، ص 12.

(2) رواه البخاري في سننه، کتاب الصوم، باب: من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع،

حديث رقم 1998.

(3) رواه الترمذي في سننه، کتاب الزهد، باب: رقم 34، حديث رقم 2346

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت