توازن الرسالة الحياتية
لقد كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بنشر بين الصحابة هديه في التوازن بين جوانب الحياة المختلفة، ويأخذ بأيديهم إلى الاعتدال في حياتهم التعبدية وحياتهم الخاصة، حتى أصبح هذا الاعتدال والتوازن سجية من سجاياهم، يتواصون به ويحرصون على التحلي به، ويحتكمون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إن أحب أحد منهم أن يغالي في جانب على حساب آخر. ولذلك عندما جاء النفر الثلاثة إلى بيت رسول الله لا يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخرا قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: «أنتم الذين قلتم: كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني (1)
ولقد كان هدف جميع الرسالات الربانية تجاوز صراع الأضداد في النفس الإنسانية، «إذ كل الكون قائم على هذا الصراع الدائب والدائم بين المتناقضات في تجلياتها الثنائية المتباينة بين نور و ظلام، وعلم وجهل، وحب وكراهية، وتقدم وتخلف، وحركة وسكون، وحياة وموت، وما إليها. وسعت رسالات الله إلى رسم طريق الوسطية الذي يقود إلى خلق التوازن بين هذه المتناقضات في كيان الإنسان وفي مجتمعه لينتقل ذلك التوازن إلى الإنسانية، فيتم لها التوازن مع الكون المحيط بها، فتدرك التوازن مع خالقها الأعظم (2) وهذا التناقض ذروته في صراع التقدم المادي الذي يفوق
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، کتاب النکاح، باب: الترغيب في النكاح، حديث رقم
5043، ومسلم في صحيحه، کتاب النکاح، باب: استحباب النکاح، حديث رقم
(2) عون الشريف قاسم، الإسلام الرسالة الخاتمة لمرحلة خاتمة، مجلة ابحاث الإيمان،
الخرطوم، المركز العلمي لأبحاث الإيمان، العدد العاشر، محرم 120 ه. مايو أيار 1999 م، ص 11 - 12.