وقد كانت رابعة العدوية - رحمة الله عليها - تبکي وترش دمعها حولها حتى كان يظن الداخل إليها أن ذلك من ماء الوضوء، وكان ابن السماك - رحمه الله تعالى - إذا حمي مجلسه وتباكى الناس يذكر لهم بكاء داود عليه الصلاة والسلام، وبكاء سفيان الثوري، وداود الطائي، والفضيل ابن عياض، وعمر بن عبد العزيز وأضرابهم، فيستصغر الناس عند ذلك بكاءهم، وذلك كعب الأحبار رضي الله عنه يقول: لأن أبكى من خشية الله حتى تخرج من عيني قطرة واحدة أحب إلي من أن أتصدق بجبل من ذهبا، وأنا غليظ القلب، وكان علي رضي الله عنه - يقول: علامة الصالحين صفرة الألوان، وعمش العيون، وذبول الشفاه - أي من كثرة سهرهم وبكائهم وجوعهم-، وكان الفضيل بن عياض - رحمه الله تعالى - يقول: ليس البكاء بكاء العين إنما البكاء بكاء القلب، فإن الرجل قد تبكي عيناه، وقلبه قاس لأن بكاء المنافق يكون من رأسه لا من قلبه.
وكان سفيان الثوري - رحمه الله تعالى - يقول: البكاء عشرة أجزاء فواحد منها لله تعالى، والتسعة كلها رياء، فإذا جاء ذلك الجزء الذى لله تعالى في السنة مرة واحدة نجا صاحبه من النار إن شاء الله تعالي. قلت: لا يكمل مقام الرجل في البكاء إلا ببكاء عينيه وقلبه، وأما الباكي بأحدهما ناقص لا سيما إن كان له أتباع، فإن بكاءه بالقلب لا يذوقه أتباعه فيحتاج إلى بكاء العين ضرورة وإن كان مقامه قد ارتقى عن ذلك والله تعالى أعلم.
وقد بکي رجل رياء في مجلس صلة بن أشيم فرحمه الناس فقيل له في المنام: خذ أجر بكائك ممن أحببت أن يراك باكيا.
وكان سميط بن عجلان - رحمه الله تعالى - يقول: كان سفيان بن عيينة - رحمه الله تعالى - إذا بکي يردد الدمع في عينه ويقول إنه أبقى للكمد، وكان عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالي - إذا بكى بكت زوجته وعياله وخدمه، ولا يدرون لم ذلك البكاء، وكان صالح المري - رحمه الله تعالى - يقول: الذنوب تطمس القلوب، ولا يزيل ذلك إلا البكاء، وقد بکي شعيب بن حرب - رحمه الله تعالى - في مجلس طاوس - رحمه الله