وتقديمهم الخوف من الحاجة إلى الناس على خوف الحساب من جهة ذلك المال الذي ربما دخلته الشبهة، وقد كان سفيان الثوري - رحمه الله تعالى - يقول: لأن أخلف بعدي أربعين ألف دينار أسسأل عنها يوم القيامة أحب إلي من أن أقف على باب أحد أسأله حاجتي. وفي حكمة لقمان عليه السلام قال لابنه: يابني استغن بالكسب الحلال عن الفقر، فإنه ما افتقر أحد إلا وأصابته ثلاث خصال، الأولى: رقة الدين، والثانية: ضعف العقل، والثالثة: ذهاب المروءة، وهي أعظمها، وأعظم من هؤلاء الثلاثة استخفاف الناس به. وكان سفيان الثوري - رحمه الله تعالى - يقول: حفظك لما في يدك لتقضي به حاجتك أول من تصدقك به، وطلبك لافي يد غيرك، فإن العبد لايزال بخير ما حفظ خصلتين درهمه لمعاشه ودينه لعاده. وكان قيس ابن عاصم مع شدة زهده وورعه - رحمه الله تعالى - يقول لبنيه: عليكم بجمع المال الحلال، فإنه يسر الصديق، ويكمل العدو، وتستغنوا به عن سؤال الناس لا سيما اللئيم، وإياكم وسؤال الناس، فإنه کسب العاجزين.
وكان الفضيل بن عياض - رحمه الله تعالى - يقول: لقد أدركنا الناس وهم يبيعون في السوق، وعلى أحدهم الزحام من الناس، فإذا سمع الأذان للصلاة نهض مسرعا، وترك البيع، وأما أهل زماننا فإن نفق السوق أخروا الصلاة، وإن كسد ندموا.
وكان أبو قلابة - و- يقول: عليكم بملازمة السوق والصنعة. فإنكم لن تزالوا كرماء على إخوانكم ما لم تحتاجوا إليهم وقد وقف سائل مرة على باب مالك بن دينار - رحمه الله تعالى - فخرج إليه برغيف فأعطاه له، فقال له: زدني فأعطاه آخر فلم يزل يسأل ويستزيد ومالك يعطيه حتى أخرج إليه جميع ما عنده في البيت حتي الأواني والفرش وغير ذلك، فقال له: زدني، فقال مالك: والله يا أخي لم يبق عندى شيء إلا أن تأخذني وتبيعني وتقبض ثمني، قال: فتركه السائل وذهب ولم يأخذ شيئا ما أعطاه، قال بعضهم: ويقال: إنه كان ملكا جاء ليختبره. وقد كان عيسى عليه الصلاة والسلام يقول: من رد سائلا خائبا لم تغش الملائكة