فإياك يا أخي أن تدع شيئا من المقامات التي تصل إليها، فتعاقب بحرمانها، قلت: وقد أخذ جماعة من أهل عصرنا بجانب عن هذا المقام بالكلية، وجعلوا علو مقامهم بالاجتماع على الباشا، والدفتردار، وقاضي العسكر ونحوهم، وصار أحدهم إذا كان في مجلس تراه يقول: قلت للباشا، قال لي الباشا، قال لي الدفتردار، ونحو ذلك، ولكن على كل حال هم أخف ضررا ممن يقول قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم - كذا وكذا، وهو غير صادق، فاعلم ذلك يا أخي، والحمد لله رب العالمين.
ومن أخلاقهم - رضي الله تعالى عنهم-: أن لا يمكنوا أحدا ممن ينقاد لهم أن يلي القضاء، أو شيئا من الأمانات التي لا خلاص فيها غالبا إلا إن تعين عليه ذلك بطريق شرعي لما ورد من التحذير في مثل ذلك. وقد كان سفيان الثوري - رحمه الله تعالى - يقول: لا تكن في هذا الزمان إماما ولا مؤذنا ولا عريفا، ولا تأخذ من أحد مالًا لتفرقه على الفقراء، وكان محمد ابن واسع - رحمه الله تعالى - يقول: أول من يدعى للحساب يوم القيامة القضاة، فلا ينجو منهم إلا القليل وكل من ساعدهم فهو شريكهم في الشدة.
وقد استقضى هرم بن حيان - رحمه الله تعالى - مرة فأوقد حوله نارا، فمنعت الناس أن يأتوه في ذلك اليوم حتي عزل نفسه، قال: ولما أكرهوا الإمام أبا حنيفة -رضي الله عنه على القضاء وحبسوه كانوا يخرجونه من السجن فيضربونه أياما ليدخل في أمرهم له بالقضاء، فلم يفعل حتى إنه بكى في بعض الأيام كبكاء الأطفال، ثم صار يقول: كم من حق يبطله القاضي، وكم من باطل يحقه. وكان الحابس له ابن هبيرة الوزير. وكان سفيان بن عيينة - رحمه الله - يقول: سمعت مناديا ينادي على جبل أبي قبيس: أمان الله تعالى على كل أسود وأبيض ما عدا اثنين سفيان وفلانا الزنديق .. وكان مسروق - رحمه الله - يقول في قوله تعالى: {أَكّالونَ لِلسُّحتِ} [المائدة: 42] [المائدة: 42] ، إنها الهدية للقاضي، ومن أراد أن لا تستعبده الولاة فليقنع بالخل والملح.