فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 319

ومن أخلاقهم -رضي الله تعالى عنهم-: شدة اجتهادهم في العبادة ليلا ونهارا، رجالا ونساء ودوام مواظبتهم على قيام الليل لا سيما في ليالي الشتاء، وعدم رؤيتهم نفوسهم بذلك على أحد من النائمين، أو أنهم قاموا بذرة واحدة من واجب حقوق الله تعالى عليهم، بل يرون جميع عباداتهم من النعم التي لا يطيقون لها شكرا كما سيأتي بسطه في أماكن من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وقد كان رسول الله - - يقول: رحم الله أقواما يحسبهم الناس مرضى وما هم بمرضي» قال الحسن: يعنى أجهدتهم العبادة، وكانوا يعملون أعمال البر، ويخافون عليها الردة، وكان الحسن البصري - رحمه الله تعالى يقول: لقد أدركت أقواما وصحبت طوائف فما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل، ولا يحزنون على شيء أدبر، وكانت في أعينهم أهون من التراب الذي يطئون عليها، كان أحدهم يعيش طول عمره لا يطوى له ثوب، ولا يأمر أحدا من أهله بصنعة طعام، ولا يجعلون بينهم وبين الأرض شيئا إذا ناموا، وكانوا عاملين بكتاب الله تعالى وسنة نبيه -، وكانوا إذا جنهم الليل قاموا على أقدامهم، وافترشوا وجوههم، وجرت دموعهم على خدودهم حتى كان يظن الداخل لهم أن هذا من ماء الوضوء، وقد دخل جماعة على عمر بن عبد العزيز - رحمه الله تعالى - في مرضه يعودونه فرأوه ناحل الجسم جدا، فقالوا له: ما الذي بلغ بك إلى ما ترى؟ فقال: هموم وأحزان تولدت من خوف الحساب، وسوء المنقلب. ولما مات منصور بن المعتمر - رحمه الله تعالى - قال رجل لأمه: ما فعل منصور؟ فقالت: إن منصورا - رحمه الله تعالي - صام فلم يفطر إلا عند ربه عز وجل، وقد كانت ابنة جاره تراه دائم القيام بالليل على سطح داره، فكانت تظن أنه عمود لطول قيامه، فلما مات فقدته، فقالت لأهله: ما صنع ذلك العمود الذي كان فوق سطحكم؟ فقالوا لها: قدم على ربه عز وجل، فقالت: كيف؟ قالوا: لم يكن في سطحنا عمود وإنما ذلك منصور كان يقوم طول الليل، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى - دائما يذكر ذلك، ويبکي حتى تبتل لحيته، وكان داود الطائي - رحمه الله تعالى - يواصل العبادة ليلا ونهارا حتى لم يبق له وقت يأكل فيه لا يشرب، فكان يأكل السويق والفتيت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت