فهرس الكتاب

الصفحة 275 من 319

يقول: الناس يقولون: إن من ترك اللحم أربعين يوما قل عقله، وإني قد تركته سنين، وما نقص من عقلي شيء، ولله الحمد. وكان - رحمه الله تعالي - لا يأكل من رطب البصرة شيئا، وإذا مضى زمنه يقول: يا أهل البصرة هذا بطني ما نقص ترك أكل الرطب منه شيئا، ولا زاد في بطونكم شيئا. وكان يحيى بن معاذ - رحمه الله تعالى - يقول: صاحب الشهوات معذب في الدنيا والآخرة، في الدنيا في تحصيلها، وفي الآخرة في الحساب عليها. واعلموا أن من كثر أكله كثر لحم بطنه، ومن كثر لحم بطنه كثرت شهواته، ومن كثرت شهواته كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنبوه قسا قلبه، ومن قسا قلبه غرق في الذنوب والآفات، ومن غرق في الذنوب والآفات دخل النار. وقد اشتهى مالك بن دينار - رحمه الله - في مرض موته خبزا أبيض ولبنا، فلما أتوه به نظر إليه وقال: دافعت نفسي عن الشهوات طول عمري أفأوافقها في آخره، ثم قال: اذهبوا به إلى يتيم بني فلان. ولم يأكله. وقد مکث معروف الكرخي - رحمه الله تعالى - ثلاثين سنة يشتهي أن يغمس

جزرة في دبس، ثم مات - رحمه الله تعالى - ولم يفعل ذلك. قال: وقدم بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه- إناء فيه لبن وعسل، فرده ولم يأكل منه، وقال: تذهب لذته وتبقى تبعته.

وقد رأى ابنه عبد الله - رضي الله عنه يوما يأكل خبزا وسمنا فعلاه بالدرة، وقال له: كل خبزا وملحا، واترك السمن لغيرك، اه. فتأمل يا أخي نفسك، وابك على حالك، فإن سداك ولحمتك شهوات، فأنت محجوب عن ربك في عموم الأوقات، لا تلتذ بشيء من العبادات، ولا تراقب ربك في الخلوات، فكيف تدعي أنك من الصالحين، وأنت قد خالفتهم في جميع أحوالهم، فإن لم توافقهم في الأمور الباطنة، وإلا أخى فانزع زيهم الظاهر من عمامة صوف وجبة وعذبة. وقد رأيت مرة شخصا بهذه الصفة في وليمة يمد يده يمينا وشمالا، فيلتقط اللحم، وأطايب الطعام من بين إخوانه، وربما يدعى إلى أكلة واحدة إلى المطرية خارج مصر أو بلبيس، فيسافر إليها، وربما يدعي أنه يفعل ذلك جبرا لخاطر من يدعوه لا لأجل شهوة بطنه، والناقد بصير، والحمد لله رب العالمين. >

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت