مکث کهمش بن الحسن - رحمه الله - أربعين سنة يبكي على غسله يده بتراب جاره بغير إذنه. وكان يقول: ربما كان أحدكم يظن أن الله تعالى غفر له ذنبه حين يتقادم عهده وذلك غرور.
وقد بلغنا أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه الصلاة والسلام: يا داود قل لبني إسرائيل باي طريق وصل إليكم أني قد غفرت لأحدكم ذنبه حتى يترك الندم عليه. وعزتي وجلالي لأوقفن كل مذنب على ذنبه يوم القيامة. قلت: ولعل معنى وقوف العبد على ذنبه ليريه تعالي فضله عليه، فلا يلزم من ذلك عدم المغفرة والله أعلم.
وكان يزيد الحميري - رحمه الله تعالى - يقول: قلت مرة لراهب: لم آثرتم لبس السواد على البياض؟ فقال: لأنه شعار أهل المصائب. ونحن أهل الذنوب، وهي أعظم المصائب. قال: ومر عتبة الغلام - رحمه الله - يومًا على مكان فارتعد ورشح عرقًا. فقالوا له في ذلك، فقال: هذا مكان عصيت الله فيه وأنا صغير وقد حج مالك بن دينار - رحمه الله تعالي - ماشيًا من البصرة، فقيل له: ألا تركب؟ فقال: أما يرضى العبد العاصي الآبق أن يأتي إلى صلح مولاه إلا راكبًا، والله لو أني أتيت مكة على الجمر لكان ذلك قليلًا. انتهى
فاعلم ذلك يا أخي، وإياك أن تتهاون بالاستغفار إذا تقادم عهد الذنب، فإنك من المعصية على يقين، ومن المغفرة على شك، وأكثر من الاستغفار ليلًا ونهارًا، والحمد لله رب العالمين.
ومن أخلاقهم - رضي الله عنهم- كثرة الخوف من الله تعالى أن يعذبهم على ما جنوه من مظالم نفوسهم، ومظالم العباد، ولو عود خلال لأحد أو إبرة يخيطون بها لا سيما إن كان أحدهم يستقل أعماله الصالحة في عينه، فإنه يشتد خوفه وكربه لعدم أن يكون معه شيء من الحسنات يعطي منها الخصوم يوم القيامة، وريما شح أحد المظلومين يوم القيامة فلا يرضى بجميع أعمال الظالم الصالحة في مظلمة واحدة من مال أوعرض أو لطمة. وفي الحديث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: «أتدرون من المفلس من أمتي يوم القيامة؟ فقالوا: