تعالي - حتى أبكى الناس، وظن أنه فعل أمرا عظيما، فقال له طاوس: اعلم يا أخي أنه لو بکي معك أهل السماء، وأهل الأرض لأجل ذنب واحد فعلته لكان ذلك قليلا، فكيف تظن أن ذنوبك تمحى لبكائك وحدك، وقد قيل لمالك بن دينار - رحمه الله تعالى - ألا نأتيك بقارئ يسمعك القرآن؟ فقال: الثكلى لا تحتاج إلى نائحة، وكان الضحاك - رحمه الله تعالى - يبكي كل عشية حتى يغشى عليه ويقول: إني لا أدري ما صعد اليوم من عملي القبيح هل غفر لي، أو هو باق في صحيفتي حتى أقف عليه غدا، وكان مكحول الدمشقي - رحمه الله تعالى - يقول: إذا رأيتم أحدا يبكي، فابكوا ولا تظنوا به الرياء، فإني ظننت ذلك مرة برجل فحرمت البكاء سنة. أه.
فعلم أن كل من أدعى الصلاح، ولم يبك بقلبه عند سماع القرآن فهو کاذب، لأن قسوة القلب تنافي أخلاق الصالحين، فاعلم ذلك، والحمد لله رب العالمين
ومن أخلاقهم - رضي الله تعالى عنهم-: ظنهم بنفسهم الهلاك بسبب تقصيرهم في الطاعات فضلا عن وقوعهم في المعاصي ويقولون: الرجاء في الله سبحانه وتعالى أن يعفو عنها هو تحصيل الحاصل، وإنما الشأن في ظن أحدهم أن الله تعالى يؤاخذه على النقير والقطمير ليخف وقوفه للحساب يوم القيامة، فإن من لم يحاسب نفسه هنا يطول وقوفه للحساب هناك، نسأل الله تعالى اللطف، وقد كان عبد الرحمن بن هرمز الأعرج - رحمه الله تعالى - يقول: فتشوا أنفسكم فيما هي عليه من القبائح فإن كل أحد يحشر غدا مع جنسه، فمن وقع في سائر المعاصي فله مع كل قوم حشر، وكان - رحمه الله تعالى - كثيرا ما يعاقب نفسه ويوبخها ويقول لها: إن المنادي ينادي يوم القيامة: يايا أهل خطيئة كذا قوموا، فتقوم يا أعرج معهم، ثم ينادي: يا أهل خطيئة كذا قوموا فتقوم يا أعرج معهم، ثم ينادي: يا أهل خطيئة كذا قوموا، فتقوم يا أعرج معهم فأراك يا أعرج تقوم مع كل
طائفة. وقد كان سيدي على الخواص - رحمه الله تعالى - يقول: لا يكمل الفقير حتى يكون ليلا ونهارا كان أهوال القيامة نصب عينيه لأجل أن يستعد