عدد شعر رأسه آلافا من السنين لكان ذلك قليلا في جنب سيئة وأحدة يفعلها العبد. وقد كانت فاطمة بنت عبد الملك - رحمها الله تعالي - تقول: ما رأيت أخوف لله تعالى من عمر بن عبد العزيز كان - رحمه الله تعالي به إذا جلس مجلس الرجل من امرأته ارتعد من الهيبة، وانتفض كالطير المذيوح، ثم لما ولى الخلافة جمعنا وجمع جواريه وقال: قد جاءني أمر شغلني عنكم، فما أتفرغ لكن حتى أفرغ من الحساب يوم القيامة فمن شاء أن يقيم عندى ولا يطالبني فليفعل، ومن شاء الفراق فليفارق، ثم ترك القرب من عياله حتى مات. وقد كان عطاء السلمي - رحمه الله تعالى - عامة ليله يمس جلده بيده مخافة أن يكون قد مسخ، وكذلك كان السري السقطي وبشر الحافي - رحمهما الله تعالي -
وكان إسحاق بن خلف - رحمه الله تعالى - يقول: ليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه وهو مرتكب للمعاصي إنما الخائف الذي ترك الذنوب خوفا من ربه. وكان السري السقطي - رحمه الله تعالى - يقول: ليس الخائف الذي تأخذه رقة عند تلاوة القرآن مثلا، إنما الخائف الذي ترك طعامه وشرابه وطلق النوم حتى يعرف أين ينتهي حاله. وكان أبو سليمان الداراني - رحمه الله تعالى - يقول: لم يقدر على بن الفضيل - رحمه الله تعالى - على سماع قراءة سورة القارعة حتى مات، وقد سمعها مرة على غفلة، فمكث ثلاثة أيام بلياليها لم يع شيئا. وكان عبد الله بن المبارك - رحمه الله تعالى - كثيرا ما ينشد قول الشاعر:
إذا ما الليل أظلم كابدوه *** فيسفر عنهم وهم رکوع
أطار الخوف نومهم فقاموا *** وأهل الأمن في الدنيا هجوع
فاعلم ذلك واتبع سلفك يا أخي تسلم، والحمد لله رب العالمين.
ومن أخلاقهم - رضي الله تعالى عنهم-: كثرة الحزن على ما فرطوا في جنب الله ولو كانوا على عبادة الثقلين لا يرون أنهم قاموا بواجب حق الربوبية الذي عليهم، ولا فرق في ذلك بين العارف والمبتدي خلاف ما عليه بعض المتصوفة في هذا الزمان من قولهم: إنما يكون الخوف للمبتدي،